أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
البطريركية تقدم استئنافًا ضد قرار بيع عقارات أرثوذوكسية لجمعية استيطانية        "إسرائيل" تطرد ناشطًا حقوقيًّا بدعوى انحيازه للفلسطينيين        تحريض "إسرائيلي" على مدرسة مقدسية بسبب زيارة لضريح "عرفات"        معارضة أمريكية وراء وقف نتنياهو التصويت على قانون "القدس الكبرى"        "شؤون الأسرى": 15 ألف حالة اعتقال لفلسطينيين خلال عامَيْن        53 مستوطنا يقتحمون ساحات الأقصى في الفترة الصباحية        نتنياهو يرجئ التصويت على قانون "القدس الكبرى"       

    
  دراسات :   الحفريَّات الأثريَّة الصُّهيونيَّة في فلسطين.. تعرَّف إلى التَّاريخ المزوَّر!!   (5/5/2014)


بقلم: أحمد التلاوي

عناصر الدراسة:

1.مدخلٌ حول القضيَّة محور الدراسة، وهي الحفريَّات الصُّهيونيَّة في فلسطين، وتاريخها منذ القرن التَّاسع عشر، وحتى الآن.

2.القسم الأوَّل: تاريخ الحفريَّات الصُّهيونيَّة في فلسطين، منذ القرن التَّاسع عشر وحتى إعلان قيام دولة الكيان الصُّهيونيِّ الغاصب في فلسطين.

3. القسم الثَّاني: الحفريَّات الإسرائيليَّة في القدس في مرحلة ما بعد عدوان يونيو من العام 1967م، وارتباطها بمشروع التَّهويد.

4.القسم الثَّالث: الحفريَّات الإسرائيليَّة في وقتنا الرَّاهن، ومخاطرها على هويَّة المدينة المُقدَّسة.

5. خاتمةٌ وتوصياتٌ فيما يجب عمله عربيًّا وإسلاميًّا في مواجهة الممارسات الإسرائيليَّة في هذا الصَّدد.

*.*.*.*.*

مدخلٌ: بحثًا عن تاريخٍ أسطوريٍّ!!

يُعتَبَرُ التَّاريخ جزءًا شديد الأهمِّيَّة من أركان المشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين؛ حيث يقوم هذا المشروع بالأساس على مزاعِمَ وأساطيرَ تاريخيَّةٍ، بعضها ذو صبغةٍ دينيَّةٍ، ولئن كانت صيرورة المشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين تقوم على أساس استمرار عمليَّة إحلال شعبٍ مكان شعبٍ على الأرض، والاستيلاء على هذه الأرض من أصحابها الأصليِّين، فإنَّ المُبرِّراتْ التَّاريخيَّة والدِّينيَّة تُعتَبَرُ هي أساس عمليَّة الإحلال هذه.

وانطلاقًا ممَّا سَبَقَ، فإنَّ أحد أركان المشروع الصُّهيونيِّ، وخصوصًا في مدينة القدس الشَّريف المُحتلَّة في العام 1967م، هو التَّهويد، والذي يعني عمليًّا نزع الهُويَّة العربيَّة والإسلاميَّة عن فلسطين ومُدُنِها، ولاسيما القدس، وفرض ما يُسمَّى بالطَّابع اليهوديِّ عليها.

ويتم ذلك من خلال سلسلةٍ مستمرَّةٍ ومتواصلةٍ من العمليَّات التي تأخذ أكثر من شكلٍ، مثل هدم القرى العربيَّة، وبناء مستوطناتٍ عمرانيَّةٍ، وكيبوتصاتٍ زراعيَّةٍ فوق أرضها، وتغيير البنية العمرانيَّة والدِّيموجرافيَّة للمدن الفلسطينيَّة، واستبدال أسمائِها بأسماءَ أخرى عبرانيَّة، وإحلال اليهود القادمين من مختلف أنحاء العالم، مكان سكانها العرب والمسلمين.

ومن بين هذه العمليَّات، تأتي الحفريَّات الصُّهيونيَّة الأثريَّة في فلسطين، ولاسيما في القدس والخليل والمُدن ذات الأهمِّيَّة الدِّينيَّة، بحثًا عن أيَّةِ لُقَىً أثريَّةٍ تُثبِّت دعائم مزاعِمِهم الهشَّة من الأساس حول فلسطين، ولإكساب مشروعاتهم الاستيطانيَّة الإحلاليَّة طابعًا علميًّا، وذلك من خلال نشاطٍ جمٍّ تقوم به العديد من الجهات في إسرائيل وخارجها، مثل سلطة الآثار الإسرائيليَّة وبعض الجامعات والجمعيَّات في إسرائيل، مثل الجامعة العبريَّة وجمعيَّة "اكتشاف إسرائيل"، والجمعيَّة الجغرافيَّة الإسرائيليَّة.

وبطبيعة الحال يتم ذلك بالتَّعاون مع جامعاتٍ في الولايات المتحدة، وبتمويلٍ من رجال أعمالٍ وشركاتٍ يهوديَّةٍ في أوروبا وأمريكا، ومن أبرز الأسماء التي تساهم بنشاطٍ كبيرٍ وحماسٍ وافرٍ في هذا الجانب، رجل الأعمال اليهودي أبراهام موسكوفيتش، والبروفيسور بنيامين مازار، الأستاذ في الجامعة العبريَّة، والذي يُشْرِفُ على برنامج حفريَّاتٍ تقوم به الجامعة في القدس، ويحمل اسمه.

إلا أنَّه على الرَّغم من هذا النَّشاط الكبير، لم ينجح اليهود في العثور على أيِّ قطعةٍ أثريَّةٍ أو وثيقةٍ تاريخيَّةٍ تُثْبِتُ صِحَّة ما جاء في توراتهم المحرَّفة عن "يهوديَّة" القدس وفلسطين، بما في ذلك الأبنية التي تنسب التَّوراة المُحرَّفة بناءَها إلى نبي الله سليمان (عليه السَّلام).

ولم يفلح اليهود طيلة العقود الطَّويلة الماضية التي تلت وصولهم إلى فلسطين، وتنقيبهم فيها، سوى في العثور على حجرٍ في القدس نُقِشَتَ عليه أسماء الشُّهور بالحروف العبريَّة القديمة المُشتقَّة من الأبجديَّة الفينيقيَّة، وزعموا أنَّه يهود إلى عصر النَّبيِّ سليمان (عليه السَّلام)، وعلى حجرٍ آخرَ نُسِبَ إلى النَّبيِّ حزقيا (عليه السَّلام)، وهو أحد قُضاة بني إسرائيل، في قناةِ مياهٍ خارج القدس.

الطَّريف أنَّ الحفريات الأثريَّة الإسرائيليَّة المحمومة في مدينة القدس الشَّريف المُحتلَّة، أدَّتْ إلى نتائجَ عكسيَّةٍ؛ حيث تمَّ الكشف عن ثلاثةِ قصورٍ أُمويَّةٍ، كانت مُخصَّصةً لإقامة أمراء بني أُميَّة الذين حكموا المدينة المُقدَّسة!!

وقبل أيَّامٍ، وفي الذِّكرى الثَّانية والسِّتِّين لنكبة فلسطين، خرجت علينا وسائل الإعلام بخبرٍ طريفٍ له  دلالاته الكبيرة فيما نتكلَّم عنه؛ حيث أعلنت سلطة الآثار الإسرائيليَّة وما يُعْرَفُ بسلطة الطَّبيعة والحدائق الإسرائيليَّة أنَّها قامت بعمليَّات حفرٍ واسعةٍ في المنطقة القريبة من بركة السُّلطان سليمان غربي أسوار البلدة القديمة في القُدس الشَّرقيَّة المحتلَّة، في مِنْطَقَةٍ تُعْرَفُ بـ"جورة العنَّاب".

وكشفت هذه الحفريَّات عن بقايا الجسر المملوكيِّ القديم الذي بناه السُّلطان محمد بن قلاوون في القرن الرَّابع عشر الميلاديِّ، كما هو واضحٌ من نقشٍ موجود على الجسر الذي كان قد اختفت آثاره مع مطلع القرن العشرين المنصرم، كما كشفت الحفريَّات عن قنوات المياه التي كانت تمر بأسفل منه، وكانت مُهمَّتُها نقل المياه من بركة السُّلطان سليمان إلى داخل البلدة القديمة وإلى الحرم القدسيِّ الشَّريف.

الطَّريف في الخبر ليس فقط أنَّ اليهود يخربون بيوتهم ومزاعمهم بأيديهم، ولكن الادِّعاء الذي خرج به رئيس الحملة التي قامت بهذه الحفريَّات، البروفيسور يحيئيل زلنجر، والذي "أكَّد" على أنَّ هذا الجسر بُنِيَ على آثارٍ كانت موجودةً في عهد المعبد الهيكل السليمانيِّ الثَّاني المزعوم، وأنَّ قنوات المياه جرى بناؤها في عهد الحشمونائييم لنقل المياه إلى المعبد.

إذن إسرائيل استطاعت العثور على الجسر الذي بُنِيَ فوق الآثار اليهوديَّة المُتبقِّيَة من المعبد أو الهيكل الثَّاني، وعثرت على قنوات المياه التي كانت تغذِّيه- وهي من ذات تاريخه تقريبًا- ولكنَّها للآن لم تفلح في العثور على آثار المعبد نفسه (!!)، ولا أحد يدري أين هو هذا المعبد الذي يتمُّ نسبة كلِّ الُّلقيات الأثريَّة في القدس له، بينما هو لا يكشف عن نفسه أبدًا.

وفي السِّياق لا تلجأ إسرائيل إلى الحفريات فحسب في محاولاتها اليائسة من أجل "إثبات النَّسب" اليهوديِّ لفلسطين والقدس والخليل، لأنَّها تعلم مدى تهافُت ما يتمُّ العثور عليه من آثارٍ، ولكنَّها "تُكْمِلُ" هذا الجهد بوسيلتَيْن أساسيَّتَيْن، الأولى سرقة بعض الوثائق التي تُثبت عكس ما يزعمون مثل وثائق البحر الميِّت (وثائق قمران) من متحف الآثار الفلسطينيِّ في القدس الشَّرقيَّة، بعد احتلالها في يونيو 1967م، إلى مُتحف "معبد الكتاب" في القدس الغربيَّة.

كما قامت إسرائيل في 18 نوفمبر من العام 1991م بالاستيلاء علي بعض الوثائق الخاصَّة بالقدس من مبني المحكمة الشَّرعيَّة في المدينة المحتلَّة، والتي تُحدِّد حدود كل منشأةٍ في القدس بأبعادها، والطُّرقِ التي تقع عليها، ومكوناتها، والأراضي التي وقفت عليها، أيًّا كانت نوعيَّة هذه المنشأة، دينيَّةٌ أو خيريَّةٌ أو منشأةٌ اقتصاديَّةٌ، وغير ذلك.

الوسيلة الثَّانية هي نشر بعض الكُتب التَّاريخيَّة عن القدس وفلسطين، في الولايات المتحدة وأوروبا بها خرائط وصور غير حقيقيَّةٍ تتوافق مع التَّصوُّر التَّوراتيِّ بشأن القدس وفلسطين.

وفي هذا الإطار، نحاول في هذه الورقة، الخَوض في التَّاريخ، ولكن ليس بمنطق اليهود، ولكن بمنطق البحث العلميِّ السليم؛ حيث سوف نحاول رصد النَّشاط الأثريِّ الصُّهيونيِّ في القدس وفلسطين منذ بواكيره في منتصف القرن التَّاسع عشر تقريبًا، وحتى الآن، لإبراز أمرَيْن أساسيَّيْن؛ الأوَّل حجم النَّتائج الهزيلة التي حقَّقتها البعثات الأثريَّة الإسرائيليَّة في هذا المقام، والثَّاني هو إبراز مخاطر ما تقوم به إسرائيل في القدس على بنية الحرم القُدسيِّ الشَّريف، والمُقدسات الإسلاميَّة هناك.

*.*.*.*.*

القسم الأوَّل: تاريخ الحفريَّات الصُّهيونيَّة في فلسطين

تعود أعمال الحفريَّات والأبحاث الأثريَّة اليهوديَّة في فلسطين إلى النِّصف الأوَّل من القرن التاسع عشر، واتَّبعت مبدأً عامًّا، وهو أنَّه عندما كانت تُكتَشَفُ أيَّة طبقةٍ من الآثار الإسلاميَّة، كان يتم إهمالها وعدم الإعلان عنها، أو حتى تدميرها أثناء البحث في الطَّبقات الأقدم والأعمق، ونالت القدس الاهتماما الأكبر في هذا المجال؛ حيث إنَّ حجم ما تمَّ حفره في القدس الشَّرقيَّة بعد احتلالها عام 1967م، يفوق جميع الحفريَّات التي جرت في فلسطين في العقود السَّابقة على ذلك.

وفي عُرْفِ الكثير من المُؤرِّخين، تُعتَبَرُ محاولة الرَّحالة الاسكتلنديِّ اليهوديِّ ديفيد روبرت لزيارة مصر وفلسطين خلال عامَيْ 1838م و1839م، هي أولى المحاولات اليهوديَّة الجادَّة في العصر الحديث لاستكشاف أرض الميعاد أو فلسطين في المعتقد اليهوديِّ؛ حيث قام روبرت برسم الأماكن التي مرَّ عليها، وزيارة القدس، ونقل صورةٍ حقيقيَّةٍ للحياة فيها.

والمدهش أنَّ هذه الصُّور التي نقلها ديفيد روبرت تثبت بطلان مزاعم اليهود بشأن فلسطين وشعبها، لذلك عندما تمَّ إعادة نشر كتاب روبرت في التِّسعينيَّات الماضية، تمَّ محو كل ما يشير إلى وجود شعبٍ عربيٍّ مسلمٍ في فلسطين قبل هجرة اليهود إليها في القرن التَّاسع عشر، وتصويرها على أنَّها أرضٍ خاليةٍ من البشر والعمران.

وفي الأربعينيَّات من القرن التَّاسع عشر، وصلت أوَّل بعثةٍ من علماء الآثار اليهود إلى فلسطين، بتمويلٍ من رجال أعمالٍ يهود في بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة، ومن بينهم اللورد اليهوديُّ البريطانيُّ روتشيلد، وعائلة روكفلر الأمريكيَّة، بغرض البحث عن أية أدلَّةٍ تاريخيَّة أو آثارٍ تثبت مزاعم اليهود حول تاريخهم في فلسطين.

وفي العام 1863م، بدأت أولى الحفريَّات في القُدس الشَّريف، من جانب بعثةٍ فرنسيَّةٍ برئاسة عالم آثار يدعى البروفيسور ديسولسي، والذي اكتشف ما يُعْرَفُ بمقابر الملوك، خارج البلدة القديمة، وقال إنَّها ترجع إلى عصر نبيِّ الله داوود (عليه السَّلام)، وكان فيها مُخطَّطٌ بالُّلغة الآراميَّة، ونقله ديسولسي إلى متحف الُّلوفر في العاصمة الفرنسيَّة باريس.

وفي السَّنوات ما بين العام 1867م والعام 1870م، قامت بعثةٌ بريطانيَّةٌ كانت تتبع "الصُّندوق البريطانيَّ لاكتشاف آثار فلسطين"، برئاسة المهندس الكولونيل تشارلز وارين، وعملت أساسًا في منطقة الحرم القدسيِّ الشريف، واكتشفت آبارًا مائيَّةً مُتصلة بنبع جيحون، كما قامت البعثة بعددٍ من الحفريَّات الرأسيَّة وحفر بعض الأنفاق الأفقيَّة باتجاه جدران الحرم الشَّرقية والجنوبيَّة والغربيَّة، لاكتشاف طبيعة هذه الجدران وأنواع حجارتها التي كان يعتقد أنَّها تعود إلى عهد الملك الرُّوماني هيرودوس الذي حكم القدس في أواخر القرن الأوَّل قبل الميلاد، وحتى مطلع القرن الأوَّل الميلاديِّ.

وكان من بين تلك الحفريات نفقٌ طويلٌ يقع مدخلُه بين باب السِّلسلة وباب القطَّانين، وكان عموديًّا على حائط "البُراق" أو الحائط الغربيِّ للحرم القدسي، وكان طول النَّفق 25 مترًا، وعرضه ستة أمتار، وكان يصل حتى سبيل قايتباي، ولم يتم الوصول إلى النتيجة التي كانت البعثة ترغب فيها.

وخلال سنوات بعثته، وتحديدًا في العام 1867م، كشفت البعثة التي يقودها وارين عن قناةٍ مائيَّةٍ ترجع إلى العصر اليبوسيِّ، وهم أوَّل من بنى القدس وسكنها قبل أربعة آلاف عامٍ قبل الميلاد، وتربط هذه القناة التي يعود تاريخ بنائِها إلى فترةٍ ما بين القرنَيْن الثَّامن عشر والسَّابع عشر قبل الميلاد، بين بوابة أحد الآبار الواقعة أعلى تلِّ أوفل بقرية سلوان جنوب الحرم القدسيِّ، وتهبط حتى عين جيحون بوادي قدرون شرق المدينة.

وقال باحثون يهود في حينه إنَّ تلك القناة هي المكان الذي تسلَّل منه يوآب قائد جيوش نبيِّ الله داوود (عليه السَّلام)، وابن عمِّه، أثناء حصاره للحصن اليبوسيِّ في القدس قبل الاستيلاء عليها في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ويُعتَبَرُ هذا الكلام ترديدًا لما ورد في سفر صموئيل الثَّاني من العهد القديم حول قصَّة داوود (عليه السَّلام).

ودوَّن وارين نتائج هذه الحفريات في كتابَيْن، الأوَّل كان بعنوان "اكتشاف القدس"، ونشره في العام 1871م، والثَّاني "توثيق القدس"، ونشره في العام 1884م.

وفي الفترة قامت بعض الشَّخصيَّات الدِّينيَّة والسِّياسيَّة الأوروبيَّة بأعمال تنقيبٍ مماثلةٍ في القدس وما حولها، ومن بينها ما قام به الأب فنسنت، الذي كان أوَّل من أجرى حفريَّاتٍ في منطقة سلوان، جنوب الحرم، كما أجرى بعض الحفريَّات قرب نبع جيحون، واكتشف بعض الأروقة والمغارات المحفورة في الصُّخور، كانت تحتوي على أوانٍ فُخَّاريَّةٍ يرجع تاريخها إلى القرن الثَّالث قبل الميلاد، ووصل الأب فنسنت من خلال هذه الُّلقيات الأثريَّة إلى نتيجةٍ مفادها أنَّ التلَّ الجنوبيَّ الشَّرقيَّ الذي تقوم عليه البلدة القديمة، كان هو الموقع الأصليُّ للقدس، وأنَّ النَّبع كان له دورٌ في إحياء الوجود البشري في هذا المكان.

كما قام المهندس المعماري والجنرال الألمانيُّ كونراد تشيك، ببعض الحفريَّات في القدس في تلك الفترة أيضًا، واكتشف قناةً تربط ما بين أسفل المدرسة المنجكيَّة، مقرُّ المجلسِ الإسلاميِّ في القدس حاليًا، وتصل حتى البِرَكَ الصَّخريَّة الرُّومانيَّة الموجودة في دير راهبات صهيون، وطولها حوالي 80 مترًا، بينما يبلُغ ارتفاعُها ثمانية أمتار بعرض مترٍ ونصف المتر، ويعود تاريخها إلى الفترة ما بين العام 153 حتى 37 قبل الميلاد.

وفي عهد الاحتلال البريطانيِّ لفلسطين، في الفترة ما بين العام 1918م، وحتى العام 1948م، تأسَّست بعض المعاهد والمُؤسَّسات الآثاريَّة التي مارست عملها لصالح المشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين، وكان أول هذه المُؤسَّسات "المدرسة الأمريكيَّة للأبحاث الشَّرقيَّة"، و"الصُّندوق البريطانيُّ لاكتشاف آثار فلسطين"، وكان أهم ما قاموا به بعض الحفريات خلال السَّنوات الممتدة بين العام 1923م، و1928م، في المناطق المجاورة للبلدة القديمة.

وفي العام 1940م، قامت بعثةُ آثارٍ بريطانيَّةٍ برئاسة البروفيسور كامبل جونز، في منطقة الملك داوود في القدس، وتوصَّل إلى بقايا برج نبيِّ الله داوود (عليه السَّلام)، وقد أعاد الإسرائيليُّون الحفر في ذات المنطقة، بعد احتلال القدس الشَّرقيَّة بما فيها البلدة القديمة في يونيو من العام 1967م.

وفي هذا الإطار، ومع تقدُّم المشروع الصُّهيونيُّ في فلسطين، بدأت الجهات البريطانيَّة والأمريكيَّة واليهوديَّة في دراسة ما تمَّ العثور عليه من آثارٍ وتقييم نتائجها، بما فيها لفائف قمران أو مخطوطات البحر الميِّت التي كان أوَّل من عثرَ عليها راعٍ فلسطينيٌّ اسمه محمد الذِّيب في العام 1947م، وتمَّ اكتشاف حوالي 850 مخطوطًا منها في الفترة حتى العام 1956م.

وكانت أهم الحفريَّات التي تمَّت في القدس خلال الفترة ما بين العام 1948م، وحتى العام 1967م، تلك التي قامت بها عالمة الآثار البريطانية كاثلين كانيون، التي كانت تترأس المدرسة البريطانيَّة للآثار، وقامت بعملها في البلدة القديمة في العام 1961م، مُركِّزةً عملها على منطقة الحدود الشَّرقيَّة للبلدة القديمة، وفي سلوان جنوبي الحرم القدسيِّ؛ حيث اكتشفتْ بقايا حائطٍ حجريٍّ علي الحافة الغربية لوادي قدرون، بُنِيَ في العصر البرونزي الوسيط أي في حدود القرن الثَّامن عشر قبل الميلاد، ويعتبر أقدم حوائط مدينة القدس.

وفي العام 1967م، وضعت كتابًا بعنوان "القدس: حفريات 3000 سنة"، ونقضت فيه الكثير مِن الأفكار التي طرحها العلماء اليهود من قبلها، ولم تقدِّم أيَّة نتائج إيجابيَّةٍ تدعم المشروعات الإسرائيليَّة  في هذا الجانب.

*.*.*.*.*

القسم الثَّاني: الحفريَّات في مرحلة ما بعد عدوان يونيو 1967م

في أواخر العام 1967م، وبعد أسابيع قليلةٍ من ضم مدينة القدس الشَّرقيَّة المحتلَّة إلى إسرائيل، بدأت سلطات الاحتلال في مباشرة سلسلةٍ من الحفريات في المدينة المقدَّسة، برغم مطالب اليونسكو بإيقافها، باعتبارها تضرُّ بالتُّراث الإنسانيِّ في المدينة، وبرغم مخالفة الإجراءات الإسرائيليَّة عمومًا لاتِّفاقيَّات لاهاي وجنيف الأربع الخاصَّة بأوضاع الأراضي المحتلَّة في وقت الحرب، والتي تنصُّ على عدم أحقِّيَّة دولة الاحتلال في تغيير هويَّة أو طبيعة المناطق التي تحتلَّها.

إلا أنَّ الانتهاكات الإسرائيليَّة في المدينة المحتلَّة، بدأت بعد أربعة أيامٍ فقط من احتلال إسرائيل لها، ففي 11 يونيو 1967م، هدمت جرَّافات الاحتلال حي المغاربة الملاصق للمسجد الأقصى من الجهة الجنوبيَّة الغربيَّة؛ حيث كان هذا الحي يُشكِّل مانعًا ما بين الحي الذي كان يسكنه اليهود في القدس الغربيَّة عن الحرم القدسيِّ الشَّريف، وملاصقًا لحائط "البُراق" أو الحائط الغربيِّ للحرم؛ حيث تمَّ توسيع السَّاحة التي تقع أمام هذا الحائط، الذي يقدِّسُه اليهود، ويطلقون عليه اسم "حائط المبكى"، لتسهيل وصول اليهود إليه والصَّلاة أمامه.

كما يدخل الإسرائيليُّون والسُّيَّاح منها الآن إلى النَّفق الغربيِّ أسفل الحرم، والذي بدأ العمل فيه في أول السَّبعينيَّات وحتى منتصفها، على النَّحو الذي سوف يتمُّ عرضه.

وكان في حي المغاربة مسجدان و135 منزلاً، ويعود تاريخ إنشائِه إلى عهد الملك الأفضل نور الدِّين علي بن صلاح الدِّين الأيوبيِّ، الذي قرر خلال فترة سلطنته على دمشق في القرن السادس الهجريِّ، الثَّالث عشر الميلاديِّ، وقف الأراضي والمساكن المحيطة بحائط "البُراق" على طائفة المغاربة.

وفيما يلي ثبتٌ بأهم هذه الحفريَّات التي قامت بها إسرائيل على مدار 30 عامًا من الاحتلال للمدينة المُقدَّسة، خلال الفترة من العام 1967م، وحتى نهاية التِّسعينيَّات الماضية:

1. حفريَّات حارة شرف:

بدأت هذه الحفريَّات بعد حرب يونيو 1967م، مباشرةً. وحارة شرف هي عبارةٌ عن منطقةٍ سكنيَّةٍ قديمةٍ كانت تملكها عائلةٌ مقدسيَّةٌ تُدعى عائلة شرف، وكانت مُؤجَّرةً لعائلاتٍ يهوديَّةٍ في عهد الانتداب البريطانيِّ، ولم يكن اليهود يملكون منها سوى ما نسبته 4%، وقد طال الدَّمار هذه الحارة خلال حرب 1948م، وخرج منها جميع سُكَّانها اليهود، وبقيَتْ على وضعها هذا من الدَّمار خلال فترة الحكم الأردنيِّ للضِّفَّة الغربيَّة، بسبب عدم تمكُّن بلديَّة القدس العربيَّة من الحصول على قرضٍ لإعادة إعمار مساكن الحارة.

وحتى عندما نجحت البلديَّة في الاتفاق على قرضٍ أوروبيٍّ، في العام 1966م، لم يتم إعادة إعمار منازل الحارة بسبب الاحتلال الإسرائيليِّ في العام 1967م.

وعندما احتلَّت إسرائيل القدس الشَّرقيَّة في العام 1967م، ادَّعى الاحتلال أنَّ لليهود فيها حقوقَ ملكيَّةٍ تعود إلى مرحلة ما قبل حرب 48، وقام فريق إسرائيليٌّ برئاسة البروفيسور نهمان أفيجاد، بإجراء حفريَّاتٍ في هذه المنطقة حتى وصل إلى الطَّبقة الصَّخريَّة الأصليَّة التي تقوم عليها المدينة الحالية، ولم يجد أيَّة آثارٍ سوى جزءٍ صغيرٍ من جدارٍ عريضٍ، ادَّعى أفيجاد أنَّه يرجع إلى تاريخ الملك حزقيا.

وبعد ذلك جهَّزتْ بلديَّة القدس الإسرائيليَّة مُخطَّطاتٍ أنشأت بموجبها مستوطناتٍ لليهود، بتصميمٍ عمرانيٍّ غريبٍ على حارة شرف القديمة، ويرتفع بعضها ارتفاعًا كبيرًا للسَّيطرة على ساحات الحرم القُدسيِّ الشَّريف من الجهة الغربيَّة، ويبلغ عدد هذه المساكن حوالي 600 منزلاً.

2. حفريَّات جنوب المسجد الأقصى المُبارك:

 

بدأت هذه الحفريات في أواخر العام 1967م، وانتهت في العام 1968م، على امتداد 70 مترًا أسفل الحائط الجنوبيِّ للحرم القدسي الشَّريف، خلف المسجد الأقصى ومسجد النِّساء والمتحف الإسلاميِّ والمئذنة الفخريَّة، بعمقٍ بلغ 14 مترًا، وتشكَّل خطرًا على الحائط الجنوبيِّ للمسجد والمسجد الأقصى الذي يلاصقه.

وتمَّت هذه الحفريَّات بتمويلٍ من الجامعة العبريَّة، وترأَّس فريق العمل في هذه الحفريات البروفيسور بنيامين مازار، وكان يساعده البروفيسور مائير بن دوف، ونشرت هذه البعثة أوَّل تقريرٍ لها عن نتائج التَّنقيب في العام 1969م، وكان كلُّ ما تمَّ اكتشافه فيها آثارًا إسلاميَّةً أمويَّةً وأخرى رومانيَّة وبيزنطيَّة.

ولكن مازار أصرَّ فيما كتبه على أنَّ موقع الهيكل المزعوم هو نفس موقع المسجد الأقصى المبارك، وأنَّ مدخله من النَّاحية الغربيَّة، من الجهة التي تُعْرَفُ باسم "قوس روبنسون"، الغرابة أنَّه قال في كتابٍ نشره في العام 1975م، إنَّه لا يوجد أيَّة بياناتٍ عن آثار القدس قبل هدم الهيكل الثَّاني في عهد الرَّومان، إلا في كتب المؤرخ اليهودي جوسيفوس فلافيوس، وبعض النُّصوص في التَّوراة والتلمود، وهي مصادر غير موثوق فيها علميًّا بطبيعة الحال؛ حيث لا تعبِّر عن التَّاريخ بقدر تعبيرها عن رؤى اليهود وتصوراتهم لتاريخهم.

3.حفريَّات جنوب غرب الأقصى المُبارك:

تمَّ هذا الجزء من الحفريَّات في العام 1969م، على امتداد 80 مترًا أخرى بدايةً من المنطقة التي انتهت عندها حفريات جنوب المسجد الأفصى، وأخذتْ اتِّجاهها إلى الشمال، حتى باب المغاربة، أسفل مجموعةٍ من الأبنية الإسلاميَّة التَّابعة للزَّاوية الفخريَّة، وعددها 14 بنايةً، تصدَّعت كلَّها بسبب هذه الحفريَّات، وأزالتها سلطات الاحتلال الإسرائيليِّ بالجرافات في 14 يونيو 1969م، وتمَّ إجلاء سُكَّانها، وقال مائير بن دوف في تقريره عن هذه الحفريَّات إنَّه اكتشف أساسات ثلاثة قصورٍ أمويَّةٍ.

4.  حفريَّات جنوب شرق الأقصى المُبارك:

بدأت هذه الحفريَّات في العام 1973م، واستمرت حتى العام 1974م، وامتدَّت على مسافة 80 مترًا إلى الشَّرق انطلاقًا من نقطة الحفر جنوب المسجد الأقصى، وفي يوليو 1974م، اخترقت هذه الحفريَّات، وبعمق 13 مترًا، الحائط الجنوبي للحرم القدسيِّ الشَّريف، مارَّةً بالأروقة السُّفليَّة للمسجد الأقصى في أربعة مواقعَ، هي:

- محراب المسجد الأقصى بطول 20 مترًا إلى الدَّاخل.

-أسفل الجامع العُمَرِي الذي يقع عند الجناح الجنوبيِّ الشَّرقيِّ للمسجد الأقصى.

-    أسفل الأبواب الثَّلاثة للأروقة الواقعة أسفل المسجد الأقصى.

-    أسفل الأروقة الجنوبيَّة الشَّرقيَّة للمسجد.

 وعرَّضت هذه الحفريَّات جدار الحرم القدسيِّ الشَّريف الجنوبيِّ إلى خطر التَّصدُّع والانهيار بسبب، تقادم البناء، وتفريغ التُّراب الملاصق للجدار من الخارج حتى عمق 13 مترًا، فأصبح هناك فارقٌ كبيرٌ بين منسوبَي الدَّاخل والخارج لأساس الجدار.

5.  حفريَّات النَّفق الغربيِّ أو نفق "البُراق":

بدأت هذه الحفريَّات في العام 1970م، وتوقفت في العام 1974م، بسبب اعتراضات اليونسكو، ثمَّ استُؤنِفَتْ ثانيةً في العام 1975م، واستمرَّتْ حتى العام 1988م، برغم قرارات اليونسكو المختلفة التي دَعَتْ إلى وقفها.

وامتد النَّفق من أسفل المحكمة الشرعية، إحدى أقدم الأبنية التَّاريخيَّة في القدس، ومر أسفل خمسة من أبواب الحرم الشَّريف، وهي: باب السِّلسلة، وباب المَطْهَرة، وباب القطَّانين، وباب الحديد، وباب علاء الدِّين البصيري أو باب المجلس الإسلاميِّ، كما مرَّ كذلك أسفل مجموعةٍ من الأبنية التَّاريخيَّة والدِّينيَّة، ومنها أربعة مساجد، ومئذنة قايتباي الأثريَّة، وسوق القطَّانين، أقدم سوقٍ أثريٍّ إسلاميٍّ في القُدس، وعددٍ من المدارس الَّتاريخيَّة، ومساكن كان يقطنها في ذلك الحين حوالي ثلاثة آلافِ مقدسيٍّ، كما يمرُّ النَّفق بآثارٍ أُمويَّةٍ وبيزنطيَّةٍ أخرى.

وتُعْتَبرُ هذه الحفريَّات هي الأهم والأكبر من نوعها في أبعادها أسفل الحرم القُدسيِّ الشريف؛ حيث وصل طولها إلى حوالي 450 مترًا، بعمقٍ يتراوح ما بين 11 إلى 14 مترًا، وارتفاعٍ بلغ مترين ونصف المتر لداخل النَّفق، وهو ما أدَّى إلى تصدُّع عددٍ من الأبنية منها الجامع العثمانيِّ، ورباط كرد، والمدرسة الجوهريَّة، والمدرسة المنجكيَّة، والزاوية الوفائيَّة، وبيت الشهابي.

وفي شهر مارس من العام 1987م، أعلن الاحتلال أنَّه اكتشف القناة الرُّومانيَّة التي كان قد اكتشفها قبلهم الجنرال الألماني كونراد تشيك، في القرن التَّاسع عشر، والتي يبلغ طولها 80 مترًا، وقام الاحتلال بإيصال النَّفق بالقناة.

وفي السَّابع من يوليو من العام 1988م، وتحت حماية قوَّات الجيش، قامت سلطة الآثار الإسرائيليَّة بحفريَّاٍت جديدةٍ عند ملتقى طريق باب الغوانمة مع طريق المجاهدين (أو طريق الآلام لدى المسيحيِّين) واستخدموا فيها آلات الحفر الميكانيكيَّة، بهدف حفر فتحةٍ رأسيَّةٍ ليدخلوا منها إلى القناة الرُّومانيَّة وإلى النَّفق، ولكنَّ المقدسيُّون تصدُّوا لهم، ومنعوهم من الاستمرار، فاضطُّرَّتْ سلطات الاحتلال الإسرائيليِّ إلى إغلاق إقفال الفتحة.

وكانت هناك أهدافٌ أخرى لتنفيذ هذه الفتحة، بجانب دخول النَّفق والقناة، من بينها تهوية القناة والنَّفق من جهةٍ ثانيةٍ غير المدخل، وإنشاء نقطةِ حراسةٍ إسرائيليَّةٍ جديدةٍ، والوصول إلى البِرَكِ الرُّومانية بسهولةٍ، وإضاءة النَّفق وتسهيل الصَّلاة في داخله، وإقناع يهود العالم للقدوم إلى القدس للصَّلاة داخل هذه النَّفق؛ حيث أصبح بداخله كنيِّسًا يهوديًّا مُتكاملاً كان الأكبر من نوعه حتى افتتاح كُنيِّس الخراب في مارس 2010م.

وقد استمرت مقاومة المقدسيِّين لمحاولات إسرائيل إنشاء هذه الفتحة، في زمن حكومة إسحق رابين في النِّصف الأوَّل من التِّسعينيَّات، ثم أعاد الاحتلال المحاولة في عهد حكومة بنيامين نتنياهو الأولى 1996/1999م، ونجح بالفعل الاحتلال الإسرائيليِّ في فتح بابٍ ثانٍ للنَّفق من جهة مدرسة الرَّوضة على طريق المجاهدين في الرَّابع والعشرين من سبتمبر من العام 1996م؛ حيث تمَّ فتح الباب ليلاً تحت حراسة الجيش الإسرائيليِّ، الذي حاصر المنطقة، ومَنَعَ العرب من التَّجوُّل فيها إلى أنْ اكتمل العمل الذي تمَّ فيه استخدام معدَّاتٍ ميكانيكيَّةٍ سريعةٍ لإنجاز العمل في أقصر وقتٍ مُمكنٍ.

وقد أنتجت هذه المشكلة انتفاضةً صغرى في أوساط المقدسيِّين، وانتقل صداها إلى المفاوضات التي كانت تدور في واشنطن في ذلك الحين بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين؛ حيث تعطلَّت هذه الجولة من المفاوضات بسبب هذه المشكلة التي اصطلح على تسميتها بأزمة نفق "البُراق".

وفي تقريرٍ لليونسكو صدر في العام 1996م، جاء أنَّ الإسرائيليِّين استعملوا موادَّ كيماويَّةً خاصَّةً لتسهيل تفتيت الصَّخر داخل النفق، بما شكَّل خطورةً على أساسات الأبنية الإسلاميَّة والتَّاريخيَّة للمدينة، مع وصول هذه المواد إليها عن طريق المياه الجوفيَّة.

6. حفريَّات باب العمود:

في العام 1975م، قامت سلطة الآثار الإسرائيليَّة بإجراء بعض الحفريَّات تحت باب العامود من الخارج، وكشفت عن باب السُّور القديم للحرم، والذي يقع حوالي خمسة أمتار تحت باب العامود الحالي، ثم أوصلت الباب الحالي مع السَّاحة الأمامية الخارجية بجسرٍ مُسلَّحٍ من أجل المرور من وإلى البلدة القديمة، وكان كلُّ ما وجدته آثارًا إسلاميَّةً.

7.  حفريَّات قلعة باب الخليل:

بالتَّزامُن مع حفريَّات باب العامود، قامت سلطات الاحتلال الإسرائيليَّة بحفريَّاتٍ أخرى بالقرب من قلعة باب الخليل في العام 1975م، بجوار، ولم تجد أيَّ أثرٍ يهوديٍّ.

8.  إعادة فتح حفريَّات الكولونيل وارين:

في الذِّكرى الثَّانية عشرة لإحراق المسجد الأقصى، وفي الحادي والعشرين من أغسطس من العام 1981م، أعادت سلطات الاحتلل الإسرائيليَّة فتح النَّفق الذي اكتشفه الكولونيل البريطانيٌّ تشارلز وارين في العام 1867م، فاعتصم المقدسيُّون داخل النَّفق ومنعوا السُّلطات الإسرائيليَّة من الاستمرار في العمل فيه؛ حيث كان الاحتلال ينوي إيصال هذا النَّفق إلى أسفل مسجد قُبَّة الصَّخرة المُشرَّفة، ثم تدخَّلت دائرة الأوقاف الإسلاميَّة في القدس، وأقفلت باب النَّفق بالخرسانة المُسلَّحة في التَّاسع والعشرين من أغسطس، إلا أنَّ المحاولة الإسرائيليَّة لفتح النَّفق أدَّت إلى حدوث تشقُّقاتٍ في الرِّواق الغربيِّ للحرم الشَّريف، والواقع فوق باب النَّفق.

9.حفريات باب الأسود- باب الأسباط:

في العام 1982م قامت سلطات الاحتلال الإسرائيليِّ بإجراء حفريات في المساحة الواقعة ما بين باب الأسود في سور القدس القديمة، وباب الأسباط، أبواب سور الحرم القدسي الشَّريف في الجهة الشَّماليَّة، برغم أنَّ هذه المنطقة كانت تُسْتَخْدَمُ بعد عام 1967م، من جانب وكالة غوث وتشغيل الَّلاجئين الفلسطينيَّين "أونروا" لتوزيع مواد الإغاثة على الَّلاجئين، إلا أنَّ الاحتلال أصرَّ على الحفر فيها بزعم البحث عمَّا يُعرَفُ بـ"بِرْكَة إسرائيل" في ذلك الموقع، رغم معارضة دائرة الأوقاف الإسلاميَّة في القدس.

وانتهت الحفريَّات في هذه البُقعة في العام 1986م، من دون الكشف عن أيِّ أثرٍ يهوديٍّ فيها، إلا أنَّه، وفي العام 1988م، تمَّ إنشاء مَدْرَجٍ حجريٍّ ومقاعدَ حجريَّةٍ في موقع الحفريَّات، كما أنشأ الاحتلال جدارٍ حجريٍّ يفصل هذه السَّاحة عن طريق المجاهدين.

وبجانب هذه الحفريَّات الرَّئيسيَّة، بدأت إسرائيل في النِّصف الثَّاني من التِّسعينيات في حفريَّاتٍ جديدةٍ انطلاقًا من باب الغوانمة، أحدها يسير باتِّجاه مسجد قُبَّة الصَّخرة المُشرَّفة، والأخرى باتِّجاه المسجد الأقصى المبارك.

*.*.*.*.*

القسم الثَّالث: الحفريَّات في وقتنا الرَّاهن

لتغيير هويَّة مدينة القُدس المحتلَّة، بدأت إسرائيل في إنشاء مدينةٍ موازيةٍ للمدينة العربيَّة، يهوديَّة الطَّابع، وقد قطع المحتل شوطًا كبيرًا في إنشاء هذه المدينة حتى الآن، فقد افتتح بالفعل حوالي 15 موقعًا أمام الزُّوار، ولا زالت عمليّات البناء والحفر مستمرة في أكثر من 10 مواقع أخرى، كما أقرَّت الحكومات الإسرائيليَّة السَّابقة مُخطَّطًا تبلغ قيمته حوالي 600 مليون شيكل (145 مليون دولار) "لإعادة إعمار أبواب البلدة القديمة وأهم مواقعها الأثريَّة"، وسيتضمن هذا المشروع تغيير الطِّراز المعماريِّ للأبواب والمواقع المستهدفة حتى يصبح أقرب للتَّخيُّل اليهوديِّ منه إلى الطِّراز الإسلاميِّ.

وكان أهم المشروعات التي دشتنها إسرائيل أسفل المسجد الأقصى في هذا الإطار، ذلك الذي افتتحته سلطة الآثار الإسرائيليَّة في 22 سبتمبر من العام 2005م، بعد عشر سنواتٍ من الحفر تحت الأقصى، تحت اسم "سلسلة الأجيال"، ويمتد هذا المشروع تحت حائط البراق كاملاً وامتداده الجنوبي، وكانت هي المرَّة الأولى في التَّاريخ التي تشرف فيها سلطاتٌ رسميَّةٌ إسرائيليَّةٌ على الحفريَّات تحت المسجد الأقصى.

وفي 13 مارس من العام 2006م، وبعد ثلاث سنواتٍ من العمل، قام مسئولون إسرائيليُّون، بحضور رئيس الدَّولة العبريَّة آنذاك موشيه كاتساف بافتتاح قاعةٍ جديدةٍ للصَّلاة اليهوديَّة في ساحة البراق تحت مبنى المحكمة الإسلاميَّة.

 

وقد أدَّت أعمال الحفريَّات أسفل الحرم القدسيِّ الشريف إلى حدوث العديد من الانهيارات وظهور مشكلاتٍ في جدران الحرم والمُقَّدسات الإسلاميَّة الموجودة حوله، ومن بينها:

- في 15 فبراير 2004م: إنهار جزءٍ من الطَّريق المُؤدِّي إلى باب المغاربة في سور المسجد الأقصى تحت وطأة الحفريَّات، ونتيجةً لاستمرار منع أعمال التَّرميم في الآثار الإسلاميَّة في القدس من جانب إسرائيل.

- في 18 نوفمبر 2005م: هيئة الآثار الإسرائيليَّة تعترف بأنَّ مسافةً طولها 380 مترًا في الجدار الشَّرقيِّ للمسجد الأقصى آيلةٌ للسقوط بمحاذاة الدَّرَج المُؤدِّي إلى المُصلَّى المروانيِّ، وتطلب ترميمها فورًا .

- في 15 ديسمبر 2006م: مصادر في حركة السَّلام الإسرائيليَّة تُحذِّر من انهيار طريق المغاربة الذي تمنع إسرائيل ترميمه.

-  في 19 ديسمبر 2006م: مُؤسَّسة الأقصى تكشف عن تشقُّقاتٍ في الجدار الجنوبيِّ للمسجد الأقصى من جانبَيْ المدرسة الخثنيَّة.

- في 6 فبراير 2007م: القوات الإسرائيليَّة تبدأ في إزالة طريق باب المغاربة الذي منعت إسرائيل ترميمه حتى آل للانهيار.

وفي عهد نتنياهو بلغت مُخطَّطات الحفريَّات الإسرائيليَّة ذروتها، فبحسب إحصائيَّات مُؤسَّسة القدس الدَّوليَّة، فقد شهد العام 2009م وحده افتتاح أكثر من 5 مواقع جديدة للحفريَّات أسفل المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف وفي محيطه، ليصبح بذلك عدد مواقع الحفريَّات الواقعة أسفله أو المُحيطة به أكثر من 25 موقعًا.

وفي 21 أبريل 2010م الماضي، ذكرت وكالات الأنباء أنَّ السُّلطات الإسرائيليَّة تُخطِّط لحفر نفقٍ بطول عدة كيلومتراتٍ، يبدأ من "بناية السَّبع" في شارع يافا غربيِّ القدس، ويمتد حتى منطقة باب الخليل، إحدى بوابات القدس القديمة، مرورًا بمقبرة مأمن الله الإسلاميَّة.

وذكرت وكالات الأنباء في حينه أنَّ مسارَ النَّفقِ سيلتفُّ حول الجدارَيْن الغربيِّ والجنوبيِّ للحرم القُدسيِّ الشَّريف، ثم يتَّجه شرقًا إلى السَّاحة أمام الحائط الغربيِّ للمسجد الأقصى، كما سيتم حفر جزءٍ من نفق المترو أسفل المقبرة الأرمينيَّة المقابلة لدير الأرمن باتِّجاه باب النَّبي داوود في منطقة باب الخليل.

ومن المقرر أنْ تُنفِّذَ المشروع شركةٌ أمريكيَّةٌ، وقالت وكالات الأنباء إنَّ الشَّركة الذي لم تذكر اسمها وصلت إلى مرحلةٍ مُتقدِّمةٍ في وضع التَّصاميم الهندسيَّة الخاصة بالنَّفق، وتصميم عربات القطار.

*.*.*.*.*

توصياتٌ

بالرَّغم من كلِّ ما قامت به إسرائيل من إجراءاتٍ لتغيير وجه مدينة القُدس، لا يزال الطَّابع العربيِّ والإسلاميِّ هو المُسَيْطِرُ عليها، إلا أنَّ هذا الوضع لن يدوم طويلاً، فمع مقدم حكومة نتنياهو ارتفعتْ وتيرة التَّهويد إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ؛ حيث قامت بالفعل مُنظَّمات مثل "أمناء جبل الهيكل"، في نقل حجر أساس الهيكل الثَّالث المزعوم إلى الحرم القُدسيِّ الشَّريف.

ولإدراك المدى الذي وصلت إليه الخُطَطِ الإسرائيليَّة في هذا المُقام يجب النَّظر إلى الخلفيَّات الخاصَّة بكُنَيِّس الخراب الذي تمَّ افتتاحه في 15 مارس 2010م الماضي؛ حيث سبق بناء الكُنَيِّس نبوءةٌ حاخاميَّةٌ أعادت إحياء نبوءة حاخامٍ آخرَ عاش قبل بضعة قرونٍ، يُدْعَى الحاخام جاؤون فيلنا، وتُعْرَفُ هذه النبوءة باسمه، وتقول إنَّ "بداية بناء الهيكل الثَّالث سوف تكون في النِّصف الثَّاني من الشَّهر الثَّالث من عام 2010"، وربط فيلنا هذا الحدث ببناء معبد أو كُنَيِّس "خوربا" أو "الخراب" بالعبريَّة، بالحيِّ اليهوديِّ بالقدس، وهو ما تمَّ بالفعل، وبغضِّ النَّظر عن أنَّ الإسرائيليُّون قاموا بافتتاح كُنيِّس الخراب في ذلك التَّوقيت لاستغلال نبوءة جاؤون فيلنا في جذب تأييد يهود العالم لمخططاتهم، فإنَّ هذا المُخطَّط قد بدأ بالفعل.

ومن هنا فإنَّ العامل الحاسم في إدارة ملفِّ الحفريَّات في القدس، ومنع محاولات تهويدها يكمن في دعم صمود المقدسيِّين ومرابطتهم، وفي التَّاريخ القريب والبعيد نماذج حالةٍ كثيرةٍ أثبتت نجاح المقدسيِّين في صدِّ العدوان اليهوديِّ على مقدساتنا الإسلاميَّة، كما حدث في أزمة نفق "البُراق"، وعندما دنَّس رئيس الوزراء الإسرائيليِّ الهالك أرييل شارون الحرم القدسيِّ في سبتمبر 2000م.

كما أنَّ دعم المُرابطين لن يكون فعالاً من دون إعادة الاعتبار لإسلاميَّة القضيَّة التي نحن بصددها، وخلق أجيالٍ مستعدَّةٍ للحرب من أجل القدس والأقصى، وذلك عن طريق التَّوعية في المسجد من جانب العلماء المخلصين لقضيَّة كلِّ مسلمٍ، وفي وسائل الإعلام من جانب الإعلاميِّين والصَّحفيِّين الشُّرفاء الذين لا يزالون يعتنقون أفكار القضيَّة الفلسطينيَّة ويؤمنون بها.

وفي لحظةٍ تاريخيَّةٍ ما، سوف يحدث الانفجار العظيم المطلوب لردِّ اليهود إلى خارج مقدساتنا، واستعادتها منهم.. لحظةٌ تاريخيَّةٌ تقع فيها انتفاضةٌ شعبيَّةٌ تطال الدَّاخل والخارج، وتشهد زحفًا جماهيريًّا بالملايين لكي يلبُّون نداءَ الأقصى.

ولحين تحقُّق ذلك، يجب على العرب والمسلمين جمع الأموال الَّلازمة لدعم عمليَّات صيانة وإعمار المُقدَّسات الإسلاميَّة في القدس وفلسطين، ودعم الأبحاث العلميَّة والأثريَّة التي تثبت تاريخ فلسطين وهويتها الحقيقيَّة كبلدٍ عربيٍّ مسلمٍ، خلق المنابر الإعلاميَّة من مواقع وفضائيَّاتٍ ومعارض وخلافه التي تعرض أولاً أدلَّة ذلك، وتعمل على استمرار إحياء القضيَّة في نفوس العرب والمسلمين.

وذلك مع ضرورة توثيق كلِّ أثرٍ في القدس وفلسطين، وكيف تتعامل إسرائيل معه، بما في ذلك ما يتم هدمه أو يتم ضمُّه إلى ما يُعرَفٌ بقائمة التُّراث اليهوديِّ، كما حدث مع الحرم الإبراهيميِّ في الخليل ومسجد بلال في بيت لحم، لربَّما- نقول لربَّما- يُمكن فيما بعد مطالبتها بتعويض عمَّا اقترفته من جرائم في حقِّ مقدساتنا وتراث الإنسانيَّة كلِّها وتاريخها.

أمَّا الحديث عن الأُطُرِ القانونيَّة ورفع الشَّكاوى إلى الأمم المتحدة واليونسكو، وتوجيه الَّلوم إلى إسرائيل، فهذا أثبتَتْ الحوادث عدم فاعليَّته، كما أثبتَتْ الحوادث أنَّ التَّعويل على الحكومات في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ، أمرٌ غير ذي جدوى.

ولعلَّ في نموذج حارة شرف التي ظلَّت مُهدَّمة طيلة 20 عامًا، تحت الحكم الأردنيِّ من دون تحرُّكٍ واحدٍ لإعادة إعمارها، حتى احتلَّتها إسرائيل، وهوَّدَتْها، أبرز نموذج على تقصير حكوماتنا، وعلى ضرورة إيلاء مسألة صيانة المُقدَّسات الإسلاميَّة والمعالم العربيَّة في المدينة، وخصوصًا التي تضرَّرت بسبب الحفريَّات، الأولويَّة.. كلِّ الأولوية!