أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
البطريركية تقدم استئنافًا ضد قرار بيع عقارات أرثوذوكسية لجمعية استيطانية        "إسرائيل" تطرد ناشطًا حقوقيًّا بدعوى انحيازه للفلسطينيين        تحريض "إسرائيلي" على مدرسة مقدسية بسبب زيارة لضريح "عرفات"        معارضة أمريكية وراء وقف نتنياهو التصويت على قانون "القدس الكبرى"        "شؤون الأسرى": 15 ألف حالة اعتقال لفلسطينيين خلال عامَيْن        53 مستوطنا يقتحمون ساحات الأقصى في الفترة الصباحية        نتنياهو يرجئ التصويت على قانون "القدس الكبرى"       

    
  المسيرة الجهادية :   معركة الكرامة .. الوقائع والدلالات    (11/7/2010)


محمد عبد الله عيسى     

وقعت "معركة الكرامة" 21 من مارس 1968،  وقد كان لتوقيتها والذي جاء بعد أقل من عام على هزيمة العام 1967 أعظم الأثر في رفع الروح المعنوية لقوى المقاومة الفلسطينية بصفة خاصة،

وللعرب بصفة عامة فقد تم مقارعة الجيش الصهيوني وإنزال الهزيمة به بعد المحاولات الدعائية  لتكريس أسطورة الجيش الذي لا يُقهر. وقامت الثورة الفلسطينية لأول مرة منذ انطلاقتها في الأول من يناير 1965، بالتعاون مع الجيش الأردني بمواجهة جيش الاحتلال في معركة حقيقية استعمل فيها هذا الجيش جميع أنواع أسلحته الفتاكة أميركية الصنع وعالية التقنية، ونجحا فى إسقاط مقولة "الجيش الذي لا يُقهر" التي اعتادت "إسرائيل" والغرب على ترويجها منذ بداية الصراع العربي ـ الصهيوني الذي تفجر مع مع تأسيس "إسرائيل" في قلب الوطن العربي 1948.

مقدمات الملحمة

وتبدأ مقدمات معركة الكرامة باجتماع قيادة حركة فتح في 26 من يونيو 1967م لتدارس الواقع الجديد بعد الهزيمة، وأخذت قرارها بانتقال قيادة فتح، وكوادرها إلى الأرض المحتلة، وكان أمامها مهمتين: تجميع الأسلحة السليمة التي تركتها الجيوش العربية، وتخزينها لتكون في متناول قوات العاصفة التابعة للحركة من جهة، والبدء في تنظيم الجماهير والتماس المباشر معها، وإنشاء الخلايا والقواعد العسكرية ومعسكرات التدريب.

وبالتزامن مع ذلك أعلنت الاستخبارات الإسرائيلية فى أغسطس من نفس العام أن فتح دشنت انطلاقتها الثانية، وأنها ستواصل العمل العسكري بدعم معنوى مصري، وبدأ مسلسل الضربات الفدائية الذى غطى ساحة فلسطين كلها، وعلى مدار الأربعة أشهر المتبقية من عام النكسة 1967م استطاعت حركة فتح وقواتها العاصفة تنفيذ 79 عملية عسكرية أدت إلى مقتل وجرح 218 إسرئيليًا بينهم تسعة ضباط وهوجمت 13 مستعمرة، ونسف قطاران، ودمرت 44 سيارة، ونسف مخزن الذخيرة الرئيسي في عكا، وقصفت ضواحي القدس بالصواريخ وضواحي تل أبيب بالهاون، وأسقطت طائرتان هليكوبتر، ودمرت العديد من منشأت المياه والكهرباء.

وقدمت قوات العاصفة في هذه الفترة 46 شهيدًا وجريحًا وأسيرًا، واستعملت فتح أسلوب حرب العصابات، وكانت قرية الكرامة القواعد الارتكازية لما شكلته من التحام بالجماهير الفلسطينية، حيث انتشرت المخيمات على محاذاة نهر الأردن، وتشكلت المعسكرات الفلسطينية التي كانت تعبر نهر الأردن إلى فلسطين، وكانت عمليات القصف اليومي لمدفعية العدو للتجمعات المدنية الفلسطينية في منتصف فبراير 1968م على أثر تصريح ديان: "إني لا ستطيع أن أقف موقف المتفرج إزاء جيش من المخربين يجري تشكيله على مرمى من أسلحتنا".

وقد مثلَ العدوان الإسرائيلي فى (الكرامة) ذلك الوقت أول توغلٍ لجيش الاحتلال عِبَرَ نهر الأردن، بلغ في حينه مسافة عشرة كيلومترات على جبهةٍ امتدت من الشمال إلى الجنوب نحو خمسين كيلومترًا، وذلك من جسر الأمير محمد "دامية" شمال الأردن حتى جنوب البحر الميت.

واستهدف العدوان القضاء على الفدائيين الفلسطينيين في مخيم الكرامة على بُعد خمسة كيلومتراتٍ من جسر الملك حسين "اللنبي"، وفي مناطق أخرى إلى الجنوب من البحر الميت. وكان أول عمليةٍ لجيش الاحتلال على نطاقٍ واسعٍ في ظل رئاسة حاييم بارليف لأركان هذا الجيش.

وورد على ألسنة القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين أن هدف العملية الحربية يتمثل فى تلقين الثورة الفلسطينية بقيادة حركة التحرير الوطني الفلسطينيـ فتح "درسًا رادعًا"، من خلال "تحقيق نصر سريع ومفاجئ يرفع معنويات الإسرائيليين التي  بدأت تنهار تحت ضربات عمليات المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ".

ولم تقصد "إسرائيل" من هذه المعركة احتلال جزء من شرق الأردن والبقاء فيه، لكنها كانت خطة لتدمير معسكرات منظمة التحرير وإيجاد سبب مقنع للأردنيين للدخول في معاهدة سلام معها، وبناء على ذلك أخذ قادة جيش الاحتلال يخططون لمهاجمة الأراضي الأردنية على جبهة واسعة والاختراق في النقاط الضعيفة لتأمين الأهداف الحيوية التي تناسب استراتيجيتهم، وليرغم الأردن بالتالي على الخضوع للمطالب الإسرائيلية بالشروط التي تريدها لفرض الحل السياسي الذي يناسبها.

وفى الحقيقة أن الجبهة الأردنية لم تشهد هدوءًا أو استقرار منذ حرب يونيو 1967م، وحتى نشوب معركة الكرامة فقد وقع ما يزيد على أربعة وأربعين اشتباكًا بالمدفعية والقصف الجوي والدبابات والأسلحة المختلفة التى تبين نوايا "إسرائيل" المبيتة، والتمهيد للمعركة المخطط لها لاحتلال مرتفعات السلط والوصول إلى مشارف عمان للضغط على الأردن، ولفرض الحلول التي تريدها "إسرائيل"، ولكن بدلاً من ذلك تلقت "إسرائيل" ضربة قوية أوقعت بها خسائر لم تصب بها في حرب يونيو عام 1967م

بعض مشاهد المعركة

حشد جيش الاحتلال لمعركة الكرامة أفضل قواته تدريبًا وخبرة قتالية فقد استخدم اللواء المدرع السابع، وهو الذي سبق وأن نفذ عملية الإغارة على قرية السموع عام 1966م، واللواء المدرع 60 ولواء المظليين 35، ولواء المشاة 80 وعشرين طائرة هيلوكبتر لنقل المظليين وخمس كتائب مدفعية 155 ملم و105 ملم بالإضافة إلى قواته على امتداد خط وقف إطلاق النار، وسلاحه الجوي الذي كان يسيطر سيطرة تامة على سماء وأرض المعركة بالإضافة إلى قوة الهجوم التي استخدمتها في منطقة (غور الصافي)، وهي: كتيبة دبابات، وكتيبة مشاة آلية وسريتا مظليين، وكتيبة مدفعية، والتى حشدت جميعها في منطقة أريحا.

بدأ القصف الإسرائيلي المركز على مواقع الإنذار، والحماية وتبعه هجوم كبير على الجسور الثلاثة، وهي: طريق جسر داميا (الأمير محمد)، وتؤدي إلى مثلث المصري، ثم يتفرع منها مثلث العارضة (السلط) عمان، وطريق أريحا المؤدى إلى جسر الملك حسين (الشونة الجنوبية) ثم وادي شعيب - السلط - عمان، جسر الأمير عبد الله المؤدى إلى سويمه- ناعور- عمان.

وفي فجر يوم 21 من آذار 1968 بدأ الهجوم الإسرائيلي عبر النهر على الجيش الأردني، واندفعت القوات العاملة على محور جسر الأمير محمد تحت ستار كثيف من نيران المدفعية، والدبابات والرشاشات المتوسطة فتصدت لها قوات الحجاب الموجودة شرق الجسر مباشرة، ودارت معركة عنيفة تمكنت القوات الفلسطينية خلالها من تدمير عدد من دبابات العدو، وإيقاع الخسائر بين صفوفه وإجباره على التوقف والانتشار.

وحاول العدو إقامة جسرين إضافيين إلا أنه فشل بسبب كثافة القصف المدفعي على مواقع العبور، ثم كرر اندفاعه ثانية، وتحت ستر نيران الجو والمدفعية إلا أنه فشل أيضًا، وعند الظهيرة صدرت إليه الأوامر بالانسحاب والتراجع غرب النهر تاركًا العديد من الخسائر بالأرواح والمعدات.

أما الهجوم على محور جسر الملك فكان موجه نحو الشونة الجنوبية الذي يمكن التحول منه إلى بلدة الكرامة والرامة والكفرين جنوبًا، واستخدم العدو في هذه المعركة لواءين (لواء دروع ولواء آلي) تساندهما المدفعية والطائرات، ودفع صباح الخميس 21 من مارس بفئة دبابات نحو عبور الجسر اشتبكت مع القوات القريبة من الجسر وتمكن قانصو الدروع من تدمير تلك الفئة.

وبعدها قام العدو بقصف شديد ومركز على المواقع الأردنية والفلسطينية، ودفع بكتيبة دبابات وسرية محمولة تعرضت لقصف مدفعي مستمر، ساهم في الحد من اندفاعها إلا أنه العدو دفع بمجموعات أخرى من دروعه ومشاته، وبعد قتال مرير استطاعت هذه القوة التغلب على القوات العربية وتجاوزتها ووصلت إلى مشارف بلدة الكرامة من الجهة الجنوبية والغربية مدمرة جميع الأبنية في أماكن تقدمهما.

واستطاع الاحتلال إنزال الموجة الأولى من المظليين شرقي الكرامة، لكن هذه الموجة تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح، وتم إفشالها مما دفعه إلى إنزال موجة أخرى تمكنت من الوصول إلى بلدة الكرامة، وبدأت بعمليات تدمير لبنايات البلدة، واشتبكت مع بعض الجنود، والسكان والمقاومة في قتال داخل المباني.

وفي هذه الأثناء استمر الاحتلال بمحاولاته فى الهجوم على بلدة الشونة الجنوبية، واشتدت ضراوة المعركة للدرجة التى طلب فيها جيش الاحتلال، ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي وقف إطلاق النار، وهو ما رفضه الملك الأردنى الحسين بن طلال حيث أمر باستمرار القتال، حتى خروج آخر جندي إسرائيلي من ساحة المعركة.

وحاولت القوات الغازية الانسحاب إلا أن القوات الأردنية والفلسطينية تدخلت في عملية الانسحاب، وحولته إلى انسحاب غير منظم فترك العدو عددًا من آلياته، وقتلاه على أرض المعركة.

وفيما يتعلق بالقتال على محور جسر الأمير عبد الله، فقد حاول الاحتلال العبور من هذا المحور باتجاه ناعور - عمان إلا أنه لم يتمكن من عبور النهر بعد أن دمرت معظم معدات التجسير، التي حاول استخدامها في عملية العبور، وفي محاولة لمعالجة الموقف قام بفصل مجموعة قتال من قواته العاملة على مقترب وادي شعيب ودفعها إلى مثلث الرامة خلف القوة الفلسطينية شرق الجسر لتحاصرها إلا أنها وقعت في الحصار، وتعرضت إلى قصف شديد أدى إلى تدمير عدد كبير من آلياتها.

وفى محور غور الصافي حاولت قوات الاحتلال تشتيت جهد القوات الأردنية، وإرهاب سكان المنطقة، وتدمير منشآتها، وألقى الطيران الإسرائيلي المنشورات على السكان يدعوهم إلى الاستسلام، وعدم المقاومة، كما قام بعمليات قصف جوي مكثف على القوات الفلسطينية إلا أن ذلك قوبل بالمقاومة العنيفة مما أجبرها على الانسحاب.

وهكذا فشل العدو في هذه المعركة دون أن يحقق أيا من أهدافه، وخرج منها خاسرًا ماديًا ومعنويًا خسارة لم يكن يتوقعها أبدًا، واستغرقت عملية الانسحاب تسع ساعات نظرًا للصعوبة التي عانتها قوات الاحتلال في التراجع.

وبلغت خسائر العدو 250 قتيلاً و450 جريحًا، وتدمير 88 آلية مختلفة تمكن العدو من إخلائها شملت 27 دبابة، و18 ناقلة، و24 سيارة مسلحة، و19 سيارة شحن، و20 دبابة وآلية مختلفة، كما أسقطت 7 طائرات مقاتلة. أما الخسائر العربية فقد بلغت  87 شهيدًا و108 جريحًا، إضافة إلى تدمير 13 دبابة و39 آلية مختلفة.

أهم دلالات المعركة

عبرت معركة الكرامة عن انعطافة في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي عمومًا، ومفهوم حركة فتح النضالي على وجه الخصوص، التى كانت تعتمد الكفاح المسلح، وحرب العصابات أسلوبًا للنضال من أجل تحرير الوطن، ووجدت نفسها فى هذه المعركة وجهًا لوجه أمام جيش الاحتلال بعد أن أدى القصف الإسرائيلي المستمر إلى هجرة اللاجئين من الكرامة، فاتخذت الحركة قرارًا بالمواجهة، وتنازلت عن شروط العضوية فيها فاتحة الباب للتطوع، وشاركت معها في المعركة قوات التحرير الشعبية بينما اعتبرت التنظيمات الأخرى بأن هذا العمل هو انتحار ومخالف لنظريات حرب العصابات!.

 واختارت فتح هذه المجازفة اعتمادًا على أن الموقف الوطني والقومي للجيش الأردني لا يمكن أن يقبل ويسلم بعبور القوات الإسرائيلية نهر الأردن لتضرب قواعد الفدائيين والقوات الأردنية في شرق النهر لتكون هناك هزيمة جديدة تضاف لهزيمة يونيو، ومع انتهاء المعركة عبرت المعركة عن إمكانية تعاون الفدائي الفلسطيني مع الجندي الأردني، اللذين وقفا في المعركة جنبًا إلى جنب، واثبتا لأول مرة في تاريخ القتال مع "إسرائيل" بأن الفدائي والجندي النظامي يمكنهما معًا أن يصنعا النصر..

وعلى الرغم من الرؤية القائلة بأن "إسرائيل" هي الجيش الذي لا يقهر، فإن المعركة غيرت هذا المفهوم، وحولت الجيش الإسرائيلي إلى الجيش الذي يمكن قهره، حينما وجد الإسرائيليون دباباتهم في الوحل، كما وجدت جثث سائقي الدبابات داخل دباباتهم المحترقة مكبلة بالسلاسل خوفًا من هربهم، على عكس الفدائيين الفلسطينيين ربحي والفسفوري وأبو أمية وأبو شريف الذين فجروا أنفسهم بأحزمتهم الناسفة تحت وداخل الدبابات.

–––––––––––––

محـــــرر بالموقع