أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  اعلام و شهداء :   "الأشقر المحنك": قائد جهادي أنار درب فلسطين بمقاومته   (11/7/2010)


نهى غنام/ جنين    

تراوحت القضية الفلسطينية بين جزر ومد على مدى 59 عامًا من النضال الفلسطيني لتحقيق الحرية من نير الاحتلال، ومع اختلاف الموازين والمعايير ضمن الظروف السياسية المتقلبة في المنطقة عمومًا،

ووسط ما تشهده الأرض المحتلة من أحداث مؤلمة أساءت لحركة المقاومة الفلسطينية، تبقى ثلة من الناس مرابطين ومقتنعين بالطريقة المثلى لاسترجاع الأرض، ورد الكرامة إلى مهدها، فتبقى الشهادة هي الرهان الوحيد الذي يتمسك به المقاومون من أبناء فلسطين، والذين حملوا على عاتقهم هم الوطن بعيدًا عن منازعات السياسيين.

وجاء زياد ملايشة، القائد العام لسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، ليبرهن هو الآخر عن وجهة نظره بطريقته؛ حيث استشهد وزميله إبراهيم العابد، القائد في كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة فتح، بعد معركة دامت ست ساعات متواصلة ضد كتيبة كاملة من الجيش الإسرائيلي، صمد الشهيدان حتى انتهت الذخيرة المتوفرة لديهما، فاصطاد جنود الاحتلال بالماء العكر، وتمكنوا من اغتيال الشهيدين؛ ليصنع الشهيدان مثالاً رائعاً في البطولة والتضحية.

"الأشقر المحنك"

نشأ زياد صبحي محمد صلاح ملايشة، المولود في العام 1982، لعائلة مكونة من خمسة أولاد وابنتين في قرية "جبع" الواقعة غرب مدينة جنين، في بيئة رسمت له حدود الالتزام الديني والاجتماعي الذي رافق طفولته وشبابه؛ فلم يكن انخراطه في صفوف الجماعة الإسلامية، الذراع الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي في جامعته، أمرًا مستغربًا، حيث بدأ عقله يتفتح على فهم مبادئ الحركة أثناء وجوده في المدرسة، لينشط في صفوف الحركة في جامعة القدس المفتوحة في منطقة جنين، ثم ينتظم في سرايا القدس، الجناح العسكري للحركة، مما عرضه للاعتقال، فأمضى أربعة سنوات من عمره داخل أسوار سجن مجدو، الذي ساهم في صقل انتمائه، وتقوية صلته بربه، مما غرس في قلبه حب الشهادة في سبيل الوطن، وبعد خروجه من المعتقل عاد لإكمال دراسته في الجامعة العربية الأمريكية، التي ساعدت أيضًا في عودته لحضن الجماعة الإسلامية فيها، فمارس نشاطه المعتاد بصورة أكثر إرادة وتصميمًا.

لم يكمل الشيخ زياد- كما اعتاد زملاؤه أن يطلقوا عليه- الفصل الدراسي الثاني حتى تفاجأ بقوات الاحتلال تداهم منزله، فكتب له القدر أن يحيا بعيدًا عن أهله وبلدته، متنقلاً من قرية إلى أخرى، وقد بذلت قوات الاحتلال من جهدها الكثير في عدة محاولات لاغتيال الشيخ، بلغ عددها 22 محاولة دون نجاح، وذلك بفضل الخطط العسكرية التي اتبعها للإفلات من قبضتهم في كل محاولة، وهذا ما دفعهم لتسميته بالأشقر المحنك الذي جُند عدد من الضباط للقبض عليه ناشرين حوله عملائهم المتخاذلين.

الشهيد الحي

جعل زياد من الشهادة حلمًا جميلاً راوده منذ الصغر، وقد فضل أن يطلق على نفسه لقب الشهيد الحي على الدوام، ولكنه قرر أن يكون ذلك بالتحديد في شهر آب/أغسطس من العام 2006، أي بعد خروجه من المعتقل وانتظامه في دراسته الجامعية، فأقدم على كتابة وصيته التي دعا فيها إلى تقوى الله والمحافظة على الجهاد كطريقة وحيدة لإرجاع الحق المهدور.

تسلم الشيخ زياد قيادة سرايا القدس باستشهاد صديقه حسام عيسى في شهر نيسان من العام الحالي، وبذلك أثبت نيته في تحدي المغتصبين الذين واصلوا بحثهم عنه في الوقت الذي شددوا فيه الخناق على أهله، ورصدوا تحركاتهم في كل مكان، خاض الشيخ ومجموعة من رفاقه في المقاومة معارك عدة أثبتت انقلاب الموازين، التي لطالما تحدث عنها الاحتلال متناسيًا حجم العقيدة وقوتها في قلوب هؤلاء الشباب، الذين قرروا أن يجودوا بأنفسهم في سبيل الله والوطن، فكتبوا وصاياهم وتجهزوا للموت أحرارًا.

ويروي أهل الشيخ وأصدقاؤه أن العديد من تصرفاته أوحت بكونه شهيدًا حيًا على الرغم من سرية عمله المقاوم، وربما حبه الدائم لمساعدة الآخرين، وإصراره على ذكر الشهادة والتوصية بأن يكون يوم شهادته عرسًا حقيقيًا هو ما غرس هذا المفهوم لدى الجميع، وباتوا واثقين من إقدامه على خطوة شجاعة.

مجريات الاشتباك

التقى القائدان زياد وإبراهيم كمقاومين فلسطينيين متجردين من الانتماءات الحزبية بهدف واحد تلألأ في قلبيهما، وهو الشهادة في سبيل الله والوطن، وقد تنقلا مع بعضهما لفترة طويلة ألقت بهما في النهاية في مسقط رأس الثاني، وهو قرية كفرذان إلى الغرب من مدينة جنين، فأمضيا فترة من الزمن هناك، تمكن على إثرها الصهاينة من رصد تحركاتهما، وفي مساء يوم الثلاثاء التاسع عشر من حزيران من العام ألفين وسبعة، تلقى الشهيدان تحذيرًا من الأهالي مفاده: أن قوات خاصة تتجول في القرية باحثة عنهم، فمضى البطلان قاصدين صنع كمين لهذه القوات في الموقعة التي استشهدا فيها بالضبط، ليتفاجآ بوجود قوة أخرى من الجيش الإسرائيلي أحاطت المنطقة، وسيطرت على البيوت المحيطة، حينها بدأ الاشتباك بين البطلين وهذا العدد الكبير من جنود الاحتلال، فأبلى الشهيدان مقاومة شكلت سطور مضيئة في أوراق التاريخ المشرف، وأفاد شهود عيان من سكان المنطقة، أن الاشتباك استمر مدة ست ساعات ما بين العاشرة ليلاً والثانية من صباح اليوم الثاني، تعرض فيه الشهيدان لإلقاء قذائف الأنيرجا والرصاص الكثيف وسط تكبيرهم وفرحتهم باقتراب الشهادة.

استشهد زياد بعد نفاد سلاحه وفي المكان نفسه تحت شجرة الزيتون التي اخترقتها رصاصات الغدر الصهيونية وهي شامخة صامدة، وقد سجدت جبهته على الأرض التي ارتوت بدمه بعد صموده ست ساعات كاملة دون أن يتحرك من موقعه أو يحاول الفرار.

انتشر الرعب في قلوب الصهاينة رغم قتلهم للمقاومين، وربما كانت رغبتهم الوحشية في التنكيل بالبطلين دليلاً واضحًا على حجم هذا الخوف الذي لم ينهيه إلا انتشال الجثتين بالآلات المخصصة لذلك، ثم التفنن في إطلاق النار على الجثتين وجرهما في موقع المواجهة، حينها تعالت ضحكات الجنود على مسامع الناس المحتجزين في بيوتهم، وتبقى قصة الصمود هي الأقوى في شهادات التاريخ التي ستروي استشهاد بطلين تلقيا هذا الوابل من الرصاص والقنابل بصدورهم، دون أن يلتفت أحدهما للوراء، وبهذا يكتبان لفلسطين مستقبلاً آخر غير الذي يصنعه المتقاتلون على سلطة أو مال أو غيره.