أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  دراسات :   تقدير موقف الحراك الشبابي الفلسطيني نحو حركة اجتماعية شاملة   (11/6/2013)


الدكتور حسن أيوب[1]

 مقدمة

 لقد شهدت السنوات القليلة الماضية ظاهرة فريدة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني تمثلت في التحركات الشبابية التي عمت مختلف مناطق تواجد الشعب الفلسطيني على أرض وطنه وخارجها.

إن ما اصطلح على تسميته "الحراك الشبابي" الفلسطيني، وإن تفاوتت معدلات شدته وانتظامه وعناوينه في هذه المناطق، عكس تشابك وتداخل عاملين مهمين:

الأول. وجود حيز من الفارغ السياسي والتنظيمي الذي تركه تراجع الدور الكفاحي/النضالي والسياسي للتنظيمات الفلسطينية المنخرطة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) بعد اتفاقات أوسلو سنة 1993م. إن هذا الفراغ، الذي استطاعت القوى الإسلامية الفلسطينية احتلال جزء مهم منه حتى العام 2007م، (تاريخ الانقسام الفلسطيني الداخلي)، عاد ليتسع وتزداد أهمية تعبئته بعد هذا التاريخ.

الثاني. وهو مرتبط بالعامل الأول موضوعيًا، فيتمثل في تداعيات تراجع دور م. ت. ف. السياسي، وانحسار مساحة الوظائف التي أدتها في خدمة القضايا الاجتماعية للشعب الفلسطيني والحفاظ على هويته الجمعية عبر بناها المؤسسية.

 إن هذا التراجع كان مرتبطًا وناتجًا عن نشوء السلطة الفلسطينية. لسنا هنا بصدد تحليل التعقيدات الناجمة عن هذا الإحلال السياسي والتنظيمي بقدر ملاحظة أن هذه الثنائية لم تترافق مع إنجاز مشروع التحرر الوطني، مما خلق تشوهًا في البنية الوظيفية لكلا الإطارين (السلطة والمنظمة)، وحد من قدرة كل منهما على النهوض بأعباء التعبير عن مطالب الشعب الفلسطيني الوطنية/السياسية والاجتماعية والحياتية.. في المناطق الفلسطينية المحتلة في العام 1967م. لقد نتج عن إنشاء السلطة الفلسطينية واقع اجتماعي- اقتصادي فريد، تجلى في تغير انعطافي في طبيعة القوى الاجتماعية الناشطة سياسيًا استنادًا لواقع جديد تبلورت في سياقه مطالب سياسية واجتماعية جديدة مرتبطة بوجود السلطة الفلسطينية، ليس أكثرها أهمية مطالب الديمقراطية، والمظالم الناتجة عن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وما يرتبط بها من مشكلات التوزيع.

 في ظل هذا الواقع الجديد المتمثل في العجز البنيوي الذي تعاني منه السلطة الفلسطينية، والذي جاء مترافقًا مع الانحسار الذي أشرنا إليه في قدرات ووظائف م.ت.ف وفي ظل عجز الأشكال التنظيمية القائمة على تشكيل بديل ذي اقتدار تمثيلي وسياسي وتنظيمي؛ طرح على الفلسطينيين تحد صعب لإفراز أشكال تنظيمية جديدة قادرة على التعاطي مع هذا الواقع.

 لقد تشكل الحراك الشبابي الفلسطيني في إطار هذه الشروط الموضوعية التي لا تبرر أهميته من حيث المبدأ فحسب، وإنما تصوغ مهماته والتحديات التي يجابهها. إن الظرف الموضوعي الذي انبثق في سياقه حراك الشباب الفلسطيني بأجندته الوطنية/السياسية والاجتماعية يقدم له الفرصة والحيز للتقدم تنظيميًّا ووظيفيًّا باعتباره قاطرة لحركة اجتماعية - سياسية ذات عمق وامتداد كبيرين. وبنفس الوقت يضع هذا الظرف قيودًا وتحديات جسيمة تتطلب من هذا الحراك إتقان التعامل معها وتذليلها كما سنشير أدناه.

تتناول هذه الورقة في القسم الأول ظروف نشوء الحراك الشبابي الفلسطيني وسماته ومكوناته المختلفة، وهل يشكل حالة تنظيمية وبرنامجية ذات بناء تنظيمي متماسك أم تشكيلات يصعب تأطيرها في سياق تنظيمي أو برنامجي متسق؟ فيما تتناول الورقة في القسم الثاني أبرز الإنجازات التي حققها هذا الحراك على المستويات الوطنية/السياسية، والبناء الديمقراطي الداخلي، والتأثيرات الديمقراطية للحراك على بيئة العمل السياسي الفلسطيني، انطلاقًا من تقييم مساهمات وإنجازات الحراك الشبابي، نحاول الوقوف في القسم الثالث على أهم التحديات والمشكلات الذاتية والموضوعية التي تجابهه، ومن ثم نقدم تصورًا أوليًا لاستراتيجية عمل تقوم على تأطير مفاهيمي للحراكات الشبابية بوصفها بؤرة لتشكل حركة اجتماعية-سياسية شاملة.

قبل الدخول في هذه الورقة، ثمة ملاحظة منهجية وموضوعية ينبغي أخذها بعين الاعتبار، ألا وهي أن هذه الورقة تتناول واقع الحراك الشبابي الفلسطيني حتى بداية العام 2013م. إن هذا التحديد يقصد منه التوضيح بأن حدود الورقة زمنيًّا هي حتى هذا التاريخ، الأمر الذي يعني بأن واقع وأنشطة الحراك بعده ليست في نطاق المعالجة. إلى جانب ذلك، فإن التراجع الملموس والكبير في دور وفاعلية الحراك الشبابي في العام 2013م، يقدم مؤشرًا دالًا على مصداقية ما سنذهب إليه في هذه الورقة، من أن السمة الأساسية للحراك هي عدم الثبات والموسمية الناجمة إلى حد كبير عن غياب الإطار أو البنية التنظيمية للحراك.

لقد برزت بين أواخر العام 2012م، وأوائل العام 2013م، عدد من التجارب، مثل حركة "شباب بنحب البلد"، وحركة "ساند"، التي ما لبثت أن توارت عن مسرح صناعة الحدث. ولعل التحركات الأبرز في هذا المجال كانت تجارب "باب الشمس" و"أحفاد يونس" ومثيلات تلك التجارب، التي شاركت فيها العديد من القوى الشبابية وما لبثت أن تراجعت.

 

أولا: حراك أم حراكات؟

هناك إجماع في الأوساط المتابعة للحراك الشبابي الفلسطيني على التأريخ لانطلاقه بالعودة إلى آذار 2011م، فقد التقت جهود المنظمات الشبابية الفلسطينية في أكثر من موقع حول شعار "إنهاء الانقسام الفلسطيني" في هذا اليوم. إلا أن العناوين المتعددة تحت سقف ما بات يعرف بالحراك الشبابي تعكس وجود حالة الاختلاف حول منطلقات ومضمون الحراك بالرغم من الاتفاق الواسع على الأهداف[2]. إن الانطباع السائد بوجود حراك لا ينبغي أن يخفي الواقع القائم بأن ثمة حضور (وإن تفاوتت قوته) لعدد من التجمعات الشبابية. إن هذا الواقع قد انعكس على القدرة التنظيمية للحراك الشبابي الفلسطيني كحالة اجتماعية - سياسية.

من الجدير ملاحظة أن نسبة كبيرة من الشباب الفلسطيني لا تزال غائبة أو مغيبة عن نشاطات الحراك الشبابي، رغم القناعة السائدة في أوساط الشباب الفلسطيني على قدرته القيادية وإمكاناته لإحداث التغيير[3].

يظهر استطلاع مركز أوراد عام 2012م، ملاحظتين مهمتين تشكلان مرتكزًا للتأصيل التنظيمي للحراك الشبابي الفلسطيني باعتباره "حراكًا" وليس "حراكات": الأولى هي النسبة المتدنية لنسبة الشباب المشاركين بفاعلية في العمل السياسي من خلال هياكل تنظيمية قائمة (الأحزاب والفصائل) إذا ما قيست بالنسبة المرتفعة للذين يمارسون نشاطًا سياسيًا من دون تأطير. هذه الأرقام تشير إلى ضعف قدرة الحراك الشبابي على الوصول إلى أعداد أكبر من الشباب الفلسطيني ضمن إطار منظم. الملاحظة الثانية تتعلق بتراجع قدرة الأشكال القائمة على العمل السياسي على التعبئة والاستقطاب في أوساط الشباب.

يسجل استطلاع "أوراد" ما يلي: "وصف 48% من المستطلعة آراؤهم بأنهم ناشطون سياسيًا، بينهم (15% ناشطون جدًا، و33% ناشطون إلى حد ما). في حين، وصف 27% بأنهم غير ناشطين إطلاقًا، وحوالي الربع قالوا بأنهم ليسوا ناشطين إلى حد ما. ويصرح 23% من الشباب بأنهم ناشطون في الأحزاب السياسية (6% ناشطون جدًا، 17% ناشطون إلى حد ما). وصرح حوالي أقل من الثلث بأنهم ليسوا ناشطين إطلاقًا، بينما صرح 45% بأنهم غير ناشطين إلى حد ما". إن هذه النتائج تعزز ما ذهبنا إليه من أن الحراك الشبابي الفلسطيني يراوح بين الفرصة البنيوية المتاحة أمامه والمتمثلة بالفراغ السياسي والتنظيمي، الذي تركته البنى القائمة بفعل عدم قدرتها على الوصول إلى جمهور عريض من الشباب الفلسطيني، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يترك الانطباع المتزايد بأن ثمة عدد من العناوين للحراك، أي اعتباره حراكات، عنصرًا يحول دون قدرة العمل الشبابي على تسجيل حضوره السياسي والتنظيمي المتمايز والمختلف عن واقع الشرذمة الفصائلي.

 بالرغم من الأجندات المتقاطعة، وفي غالب الأحيان المتطابقة، لغالبية المجموعات الشبابية التي تعرف نفسها بالحراك الشبابي[4]، إلا أن الملاحظ هو وجود حالة من الانقسام الرأسي في مواقف وميول الشباب الفلسطيني في الشأن السياسي.

إن هذا الانقسام هو انعكاس لحالة الاستقطاب الثنائي السائد في المجتمع الفلسطيني، ويمكن تجاوزه عبر بروز تيار اجتماعي – سياسي وطني قادر على إضافة عنصر تنوع ذي مغزى يمتلك الاقتدار السياسي والتنظيمي. إن السعي لتأطير الحراك الشبابي الفلسطيني تنظيميًّا وسياسيًّا على قاعدة التنوع ووحدة الهدف والأدوات، هو مهمة مركزية هدفها الأول تحويل حركة الشباب الفلسطيني إلى حراك يمثل طليعة حركة اجتماعية أوسع، قادرة على سد الفراغ السياسي، وإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها (أي السياسة في الحالة الفلسطينية) أداة تمكين الشعب من القوة اللازمة لإنجاز مشروع التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي.

 

ثانيا: الواقع والإنجازات:

 ليس من الصعب ملاحظة العمل المتنوع والمثابر للحراك الشبابي الفلسطيني الذي جسدته العديد من المجموعات الشبابية عبر سلسلة من الفعاليات منذ العام 2011م. لقد غطت هذه الفعاليات العديد من العناوين ذات الصلة بالواقع الوطني/السياسي، الاجتماعي، والتنظيمي للشعب الفلسطيني وبمهمات حركته الوطنية. لسنا هنا بصدد الرصد التفصيلي لهذه الفعاليات، فثمة العديد من المساهمات التي توثق لهذه الأنشطة عن قرب[5].

إن مهمة هذه الورقة هي محاولة تأطير هذه الفعاليات تحت عناوين تشكل الأرضية لعملية صياغة استراتيجية قائمة على ترتيب أولويات النضال والتنظيم المقبلة. ويمكن تلخيص هذه الواقع الناشئ عن الحراك الشبابي الفلسطيني وما يرتبط به من منجزات بالعناوين الرئيسية الآتية:

1- مطلب إعادة هيكلة منظومة العمل السياسي/الوطني الفلسطيني: لقد نجح حراك الشباب الفلسطيني بتحويل الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني إلى قضية رأي عام فلسطيني، عوضًا عن كونها مسألة نخبوية فصائلية مغلقة. إن تلازم حالة الانقسام مع عمليات القمع السياسي والانقضاض على الحريات باسم الحفاظ على شرعية طرفي الانقسام أنتجت متلازمة مقابلة ترى في تجاوز الانقسام مطلبًا مسبقًا لإطلاق طاقات الشباب الفلسطيني واستعادة السمة الديمقراطية للنضال الوطني الفلسطيني. ولعل شعارات الحراك الشبابي تظهر هذا الترابط ما بين الكفاح الوطني، والوحدة الوطنية، وديمقراطية منظومة العمل السياسي، والشرعية (الشرعية النضالية والديمقراطية). بهذا المعنى فإن الحراك الشبابي هو الوريث الحقيقي لأبرز سمات الانتفاضة الأولى، كفعل جماعي شعبي وديمقراطي أفرز قيادته الشرعية في خضم الفعل الكفاحي.

2- إعادة الاعتبار لمفهومي الكفاح militancy والعمل المباشر: تعكس أنشطة الحراك الشبابي وعيًا أصيلًا لضرورات إعادة صياغة علاقة الشعب الفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي والطبيعة العنصرية لدولة الاحتلال؛ باعتبارها علاقة صراع وليست علاقة تفاهم. إن الإحساس الزائف "بالطبيعية" السائدة في الأوساط الفلسطينية إزاء واقع الاحتلال والتفرقة العنصرية قد أنشأ حالة من الوعي الزائف لطبيعة الصراع. لقد أسهمت السنوات القليلة الماضية بخلق بنية علاقات مشوهة مع دولة الاحتلال عنوانها الأبرز هو تراجع الفعل الكفاحي الجماعي للفلسطينيين، الأمر الذي حول الاحتلال إلى مهمة سهلة، ووضع إسرائيل في حالة هجوم شامل على الوجود الفلسطيني. يقدم الحراك الشبابي الفلسطيني نموذجًا هو نواة لاستعادة المبادرة الكفاحية التي تصوب علاقات الصراع من خلال الفعل المباشر: مسيرات يوم الأرض، التظاهر على نقاط التماس في الضفة وغزة وعلى بوابات سجون الاحتلال، المواجهات المنظمة ضد المشاريع الاستيطانية والجدار الفاصل...إلخ.

إن هذه المقاربة الجذرية للصراع ليس من شأنها فحسب تجاوز ثقافة "حزب الكنبة"، كما عبر عنها الشعيبي والأعرج (2012م)، بل إعادة تقديم واستلهام ثقافة الكفاح الوطني. إن حركة المقاومة الشعبية في بلعين، نعلين، كفر قدوم، النبي صالح، وغيرها من المواقع هي أحد أبرز التعبيرات عن هذا البعد. في هذا السياق، فإن تجربة الحراك الشبابي في الاعتراض على استمرار المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية (مهما كانت الأسماء التي تطلق عليها) وتعريتها والاعتراض على سياسات "العون" والتمويل باعتبارها آليات للتحكم السياسي وتدجين الإرادة الفلسطينية تأتي في ذات الإطار.

3- الديمقراطية والعدالة الاجتماعية: يلعب الحراك الشبابي دور الصوت العالي، حيث بحت أصوات الاعتراض السياسي على السياسات الفردية والتفرد بالقرار السياسي الفلسطيني من قبل طرفي الهيمنة على هذا القرار "فتح" و"حماس". إن أبرز مظاهر هذا الدور هو النشاط البارز للقوى الشبابية ضد الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة على السواء، والمطالبة المتكررة لتحويل شعار "إنهاء الانقسام" إلى شعار فاعل من خلال ربطه بمطلب الانتخابات التشريعية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني (انظر المراجع في هذه الورقة). ومن الملفت في هذا الصدد هو ذلك التقاطع بين مطلب الدمقرطة وبين مطالب العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص. ففي الوقت الذي يطالب فيه الحراك الشبابي بتمكين الشباب من المشاركة السياسية الفاعلة، فإنه يطالب كذلك بفرص العمل ومحاربة الفساد وتطوير النظام التعليمي وزيادة فرص التعلم[6]. إن هذا التقاطع هو مؤشر ذو دلالة بالغة على عملية التهميش المركب للشباب الفلسطيني، الأمر الذي يزيد من الإمكانية الموضوعية للحراك الشبابي؛ ليكون نواة لحراك اجتماعي- سياسي قادر على تجاوز الاختلالات البنيوية في منظومة العمل السياسي الفلسطيني ومهماته الوطنية التحررية.

بالمحصلة، فإن الحراك الشبابي يمثل حالة متميزة مما يعرف بسياسات الاعتراض contentious politics والفعل الكفاحي لها وخصوصيتها وحدودها، وكذلك تحدياتها، كما سيأتي في الجزء التالي. إن العمل الجلي الذي أسهمت فيه حركة الشباب حتى اليوم بقدر ما يعكس الإدراك الجدي للتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني على مختلف المستويات، فإنه يؤشر على حقيقتين متداخلتين: أولاهما، غياب الآلية التنظيمية القادرة على تحويل الحراك إلى حالة عامة وتعبوية (البعد الذاتي)، وثانيهما، تعذر صياغة استراتيجية وطنية/ سياسية تعطي للحراك الإحساس الغائب بوحدة الغاية، وهذا هو البعد الموضوعي المتعلق بطبيعة الصراع الوطني الفلسطيني وتحدياته.

 

ثالثًا: المشكلات والتحديات

لا يكفي النظر بتفاؤل إلى أن الشباب الفلسطيني هو المركب الأكثر حضورًا وفاعلية تاريخيًّا في العمل الوطني، وبخاصة في إطار الحركة الطلابية. لقد كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (وإلى حد ما الثانية) هي التجسيد الأبرز لهذه الحقيقة. إلا أن المشاركة الشبابية الفاعلة في إطار الحركة الوطنية - تاريخيًا أيضًا- كانت مشاركة مؤطرة في بنية سياسية تنظيمية تختلف نوعيًا عن هذه السائدة في واقعنا الحالي، الذي يسعى فيه الحراك الشبابي للتمايز باعتباره شكلًا تنظيميًا مغايرًا. ثمة فرق جوهري بين المرحلتين من ناحية المد الوطني الفلسطيني، وحالة المواجهة مع الاحتلال.

إن التجربة التاريخية، بهذا المعنى، تقدم لنا القليل للإفادة منه على صعيد عملية الحشد والتنظيم الشبابي في الواقع الفلسطيني الراهن. فعلى حد تعبير عدد من القيادات في الحراك الشبابي، فإن واقع اليوم تعتوره العديد من الاختلالات البنيوية التي تحتاج إلى إعادة صياغة: "وثمة خطوة أساسية لاستعادة الأمل تتمثل في كسر احتكار الفصائل للسياسة، ودمقرطة القرار السياسي، لأن جميع الأحزاب بدأت تتآكل الآن وتفقد شرعيتها". هذا ما نبه إليه فادي قرعان، أحد أبرز قيادات الحراك.

إلا أن هذا الأمل يصطدم بتحديات يمكن تصنيفها تحت عنوانين رئيسيين: تحديات ذاتية لها صلة بواقع الحراك الشبابي كشكل مغاير وإبداعي للتنظيم السياسي - الاجتماعي، وتحديات موضوعية نابعة من بنية منظومة العمل السياسي الفلسطيني.

 *على صعيد التحدي الذاتي: إن الاعتداد بالدور الريادي للشباب الفلسطيني لا يلغي حقيقة إحجام غالبية الشباب عن المشاركة الفاعلة في الحياة السياسة والشأن العام. هذا ما تبينه الاستطلاعات (من ضمنها المشار إليها في هذه الورقة). إن هذا التحدي يتحول إلى مشكلة مركبة بحكم القراءة غير الدقيقة التي تقارن ما بين دور الشباب في الانتفاضتين الفلسطينيتين. إن مقالة "حزب الكنبة" (الشعيبي والأعرج 2012م) - وعلى منوالها عديد الكتابات الشبابية - ترد إحجام الشباب إلى عدم توفر الشعار الناظم للعمل. إن الشعار، على أهميته، إنما هو صياغة تعبوية لإحساس جماعي بوحدة الهدف وتماسك الأجندة الاستراتيجية والأهداف المرحلية. وبهذا المعنى فقد تميزت الانتفاضة الأولى بالوضوح الشديد للغاية والأهداف. أو لأكثر أهمية هو البنية الديمقراطية لهياكل الانتفاضة الأولى (القيادة الوطنية الموحدة واللجان الشعبية) التي أفرزتها العلاقة الكفاحية والصدام مع الاحتلال. إن بروز قيادة جديدة ليس مسألة طوعية بقدر ما هو عملية إفراز منبثقة من حالة الاشتباك السياسي على مستوى المجتمع الفلسطيني كله مع الاحتلال. 

يبرز في هذا المجال ملاحظة بأن الحراك لم يتمكن حتى الآن من امتلاك زمام المبادرة، إذ اقتصرت فعاليات الحراك على الرد على واقع قصير الأمد، وليس على صياغة استراتيجية تحرك مدروسًا ويتسم بالتواصل. يمكن رد ذلك جزئيًّا إلى التنوع الكبير واليومي بالقضايا المطروحة أمام الحراك التي تحتاج إلى المتابعة الحثيثة. لقد انتقلت الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها إلى موقع ردة الفعل ومحاولة الاستجابة لعدد، يكاد يكون غير متناهٍ من القضايا التي يخلقها الاحتلال ودولته، إلى جانب الوقائع الجديدة في العالم العربي؛ الأمر الذي ينذر بغياب القضية المركزية في الصراع، بما هي قضية صراع وطني تحرري. وفي نفس الوقت، فإن ضعف وتفكك الحراك يحول دون قدرته على امتلاك زمام المبادرة وطرح برنامج يتسم بالشمولية، وليس أدل على ذلك من تركيز الحراك على المهام الآنية أو تصور أن المشكلة تكمن في الشعارات.

 كما


[1] أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية- نابلس.

[2] أظهرت نتائج استطلاع الرأي العام المتخصص بفئة الشباب الفلسطيني الذي نفذه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية "أوراد"، أن 87% من الشباب لديهم الثقة بقدراتهم على قيادة الدولة الفلسطينية في المستقبل المنظور، معبرين بغالبية قدرها (%52) عن تأييدهم لحل الدولتين على أساس حدود الرابع من حزيران عام 1967م، في حين يعتقد 54% من الشباب بأن المجتمع الفلسطيني يسير في الاتجاه الخاطئ. وفي نفس الوقت، فإن 72% من الشباب صرحوا بأنهم مستعدون للمشاركة في تظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي.

[3] يظهر الاستطلاع أعلاه بأن 48% من الشباب الفلسطيني لم يشاركوا في أي عمل تطوعي.

[4] مثلًا، يشير الناشط الشبابي أنس البرغوثي (2012م، عدد 90، مجلة الدراسات الفلسطينية) إلى معضلة صياغة الشعارات الناظمة للحراك الشبابي الفلسطيني وما تعكسه من اختلاف حول عدد من القضايا السياسية المطروحة أمام الحراك مثل الانقسام الفلسطيني، وسؤال التسوية السياسية. في نفس الإطار يشير استطلاع مركز "أوراد" (المرجع أعلاه) إلى انقسام الشباب الفلسطيني حول ذات الموضوعات. يدل الاستطلاع أن غالبية بسيطة من الشباب الفلسطيني أيدت مبدأ حل الدولتين والمقاومة اللاعنفية السلمية، بالتزامن مع تأييدهم بغالبية كبيرة لمبادرة التوجه إلى الأمم المتحدة؛ للحصول على اعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، وصرح (52%) بأنهم يؤيدون حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967م. في حين، يعارض 46% من الشباب هذا السيناريو. وأيد حوالي خمس المستطلعين العودة إلى المفاوضات دون أي شروط، بينما أيد 37% العودة إلى المفاوضات ضمن شروط محددة، أبرزها: تجميد البناء الاستيطاني وضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين وإطلاق سراح الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية. ويرفض 39% من المستطلعين العودة إلى المفاوضات في هذا الوقت بأي شكل من الأشكال.

[5] في هذا الشأن يمكن مراجعة : مشروع التواصل الفلسطيني 2011م، أنس البرغوثي2012م، زيد الشعيبي وباسل الأعرج 2012م.

 

[6] في هذا الإطار، بحسب استطلاع "أوراد" المشار إليه آنفا، تنوعت أولويات الشباب الفلسطيني من حيث الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبطالة والفساد والتعليم والحريات الشخصية، فقد اعتبر 78% من المستطلعين الشباب بأن قضية محاربة الفساد في المؤسسات العامة (مهمة جدًا) بالنسبة إليهم، و18% قالوا بأنها قضية (مهمة). واعتبر 76% بأن قضية الحفاظ على الحريات الشخصية (مهمة جدًا)، و20% قالوا بأنها قضية (مهمة). وصرح 72% بأن قضية البطالة (مهمة جدًا)، و13% صرحوا بأنها قضية (مهمة)، واعتبر63% بأن قضية تغطية تكاليف التعليم (مهمة جدًا)، واعتبرها 13% بأنها قضية (مهمة). ويعتقد 60% بأن قضية عدم الاستقرار الاجتماعي والنفسي (مهمة جدًا)، و25% قالوا بأنها قضية (مهمة). واعتبر 55% بأن قضية التعامل مع حالة الملل في ظل غياب النشاطات الترفيهية (مهمة جدًا)، و23% اعتبروها قضية (مهمة)، واعتبر 48% بأن قضية تغطية تكاليف الزواج بما في ذلك تجهيز المنزل (مهمة جدًا)، و21% اعتبروها (مهمة).

 

--------------------

مقدم إلى ورشة عمل عقدت في مركز مسارات في البيرة