أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
لماذا لا يرد السوريون على الهجمات الإسرائيلية؟!        صور من دورة الجمعية العامة        السلطات "الإسرائيلية" تقوم بعمليات هدم وتجريف جديدة في النقب المحتل        التطبيع هو الوجه الحقيقي "للسلام الإقليمي"        مؤتمر في إسطنبول يُوصي باعتماد منهجية تربوية لتنشئة الجيل على الدّفاع عن الأقصى        الاحتلال يفرج عن أسير من الداخل المحتل عام 1948م بعد اعتقال دام 12 عامًا        ميلادينوف: الأمم المتحدة ستراقب عودة حكومة الوفاق إلى غزة       

    
  دراسات :   الجدار العنصري وحلم القدس الكبرى عند اليهود    (18/9/2010)


" جدار الفصل العنصري لم يكن أمنياً بمقدار ماهو ديموغرافى سياسى، وعليه فإن إسرائيل بدأت بالفصل  فى التعامل مع سكان هذه المناطق على أساس أنهم يسكنون خارج إسرائيل"

 

" مخطط خطير جرى الكشف عنه فى أيار 2005 ، حيث تعمل حكومة الاحتلال بصورة سرية على حصر وجمع القوائم الخاصة بأصحاب الأراضى الفلسطينية خلف الجدار، تمهيداً لتحويلها إلى أملاك الغائبين"

د. أمل خليفة

باحثة متخصصة في الشأن الفلسطيني

القدس مدينة قديمة مسورة، لطالما تهدم سورها ثم اعيد بناؤه، لكنه كان سور أمان لأهلها، فعندما كان أهل القدس يغلقون بوابات السور عليهم كانوا يشعرون بالحماية خلف بواباته.  واليوم  حول القدس سور، يلتف حولها، ويدور كثعبان رابض، يتحين الفرصة كى ينقض على أهلها، وحينما تغلق البوابات دون أهل القدس  يشعرون بالألم والغصة، فهو يخنقهم، ويحول بينهم وبين ذويهم وأحباءهم، ويقطع لقمة عيشهم.

البداية

فى عام 1948 استعرت الحرب بين عصابات الصهاينة والجيوش العربية، واستطاعوا فى الأيام الأولى من المعركة أن يضعوا أيديهم على القسم الغربى من القدس، مما يطلق عليه اسم  "القدس الغربية "، ولكنهم لم يتمكنوا من الظفر بالبلدة القديمة - رغم محاولاتهم المستميتة - وما حولها من الجانب الشرقى، فآلت إلى المملكة الأردنية .

وكان القرار الواضح هو أن تكون القدس الغربية لليهود ، ولليهود فحسب ، فأخرجوا منها ثلاثين ألف من أهلها المقدسيين بين عشية وضحاها، وصارت القدس الغربية خالصة لليهود، فبنوا بها مبنى الكنيست، ونقلوا إليها الوزارات، وسعوا سعياً حثيثاً لنقل الثقل السياسى لتكون عاصمة للدولة.

وفى عام 1967 تحقق الحلم الكبير، ونال الصهاينة ما تمنوه ، وحصلوا على البلدة القديمة ، ومحيطها مما عرف باسم "القدس الشرقية " . ودارت رحى التهويد فى المدينة منذ الأيام الأولى؛ فهدموا حارة المغاربة بعد أربعة أيام من دخولهم استعداداً لجموع اليهود القادمين للبكاء، ثم توالت القرارات ، فجاء قرار ضم المدينة إلى دولتهم ضماً أحادياً ، على الرغم من القرارات الدولية التى تمنع ذلك ، ثم  قرار توسيع حدود البلدية ، ثم خرج للوجود مشروع هلامى غير متضح المعالم اسمه " القدس الكبرى " ، لكن ملامحه كان يوضحها ، ويفسرها قرار الكنيست الإسرائيلى ، بأن القدس الموحدة عاصمة أبدية للكيان الصهيونى . فقد كانت مساحة المدينة كاملة فى عام 1948 لا تتجاوز 20 كم2 ، وفى عام 67 تم توسعتها حتى صارت 70 كم2 ، لكن القدس الكبرى التى خططوا لها وصلت مساحتها إلى 127 كم2  .

وكان الهدف الواضح أمام أعينهم هو " عاصمة ضخمة لدولة اليهود، ذات أغلبية يهودية ، وصبغة يهودية".

كانت نسبة الفلسطينيين بعد احتلال القسمين الشرقى والغربى عام 1967 تصل إلى 27% من مجموع سكان المدينة، وكان من الضرورى أن تنخفض هذه النسبة، حتى تحظى القدس الكبرى بالأغلبية اليهودية، وفي عام 1973 اتخذت اللجنة الوزارية لشؤون القدس الاسرائيلية برئاسة جولدا مائير آنذاك قرارا بان يكون نسبة السكان العرب من بين المجموع العام للسكان داخل حدود بلدية القدس 22% فقط.

كان لابد من السير فى خطين متوازيين: جلب اليهود من مختلف أنحاء إسرائيل ، أو من القادمين الجدد ليسكنوا فى المستوطنات الجديدة التى تطوق المدينة ، مع وضع عدد من الإغراءات  والتسهيلات لهم ، وفى المقابل خلق بيئة طاردة للمقدسيين الفلسطينيين كى يرحلوا، برغبتهم أحياناً، وعلى غير رغبتهم فى أحيان أخرى .

فأعطوا المقدسيين هوية زرقاء ، هذه الهوية التى جعلتهم ليسو بإسرائيليين – مثل عرب 48 – وليسو مثل باقى أهل الضفة ، فهى مجرد سماح بالإقامة فى إسرائيل فحسب ، وعليهم تجديدها كل عشر سنوات ، وإذا تورط أحدهم فى أى من "المحاذير"  تُسحب منه الهوية ، أما قائمة هذه المحاذير فهى طويلة ، حتى أن البعض قال متهكماً: "أن المقدسي مطالب بالمسير في الشارع ، وبجانبه محامي"

احذروا .. أورشليم اليهودية فى خطر

مضت السنون، وبذلت سلطات الاحتلال جهوداً كبيرة، وضخوا أموالاً طائلة، لكن الحلم لم يتحقق، والقدس لم تتهود، فأهل المدينة تشبثوا بديارهم، ولعلهم أخذوا من أشجار الزيتون قوة جذورها، واستعصاءها على الانتزاع .

وبدت أمامهم عقبات لا إمكانية لحلها؛ فالمولود الواحد من اليهود يولد فى مقابله ثلاثة من الفلسطينيين، وطابور النازحين عن المدينة من اليهود يودى بالسلطات الإسرائيلية إلى الجنون، ويدفعهم إلى اليأس رغم كبر عدد من يضخونهم فى المدينة كل عام .

النتيجة النهائية أن نسبة المقدسيين التى يسعون لتخفيضها ارتفعت رغماً عنهم ، والطابع اليهودى المنتظر للمدينة لا يزال هدفاً بعيداً ، عصياً على التحقيق . وخرجت معاهد الدراسات الإسرائيلية بتحذير جاد ، لا هزل فيه : أورشليم اليهودية فى خطر ، وإذا سارت الأمور بهذا المعدل ، فإن نسبة الفلسطينيين فى القدس ستتعادل مع اليهود حوالى عام 2035!

ما هو الحل؟

جاء الحل عندما شرعت السلطات الإسرائيلية فى وضع تصورات بناء جدا الفصل العنصري فى الضفة الغربية، وكان نصيب القدس من هذه التصورات هو مخطط منفصل ، قائم بذاته ، أطلقوا عليه اسم "غلاف القدس"، وهو مشروع قائم بذاته ، يسير على التوازى مع مشروع الجدار الأصلى ، وأعتبر البعض أن هذا الجدار سيصحح كثيراً من الأوضاع ، حتى لو جاء هذا التصحيح متأخراً بعض الشئ .

" ألمح بيريز أن دولته قد أخطأت بضم جميع القدس بعد عام 1967 ، معرباً عن خطأ الإعتقاد بامكان بقاء القدس موحدة مع 240 ألف فلسطينى من سكان شرق المدينة ، وكذلك عن خطأ الإعتقاد بتقسيم المدينة من جديد . "  (1) 

خريطة توضح تطورات مدينة القدس 1948 - 1993

غلاف القدس :

يسمونه بالعبرية "حاضن القدس"، وتقوم فكرته على أساس إضافة أكبر عدد من المستوطنات اليهودية إلى حدود بلدية القدس، وفى المقابل إخراج أكبر عدد ممكن كذلك من التكتلات السكنية الفلسطينية ، كما انه يخنق المدن والقرى الفلسطينية الواقعة بداخله ، ويحول دون تمددها .

وكان المبرر الأمنى هو الشرارة الأولى التى بررت ما بعدها ، فخلال عام 2001 وقع عدد كبير من العمليات المسلحة من قبل الفلسطينيين فى منطقة القدس ..

" وقد دفعت هذه المعطيات كلا من قائد لواء القدس ميكى ليفى ، ورئيس مجلس الأمن القومى اللواء عوزى ديان إلى تقديم خطة إلى المجلس الوزارى بتاريخ 28/1/2002 ، وتهدف الخطة إلى عزل السكان العرب فى القدس . " (2)

وتلاقت الرغبات ، فالهدف الأمنى المعلن يؤدى غرض التغطية الساذجة لهذه الخطة التى سوف تنقذ مشروع القدس الكبرى اليهودية من الفشل .

وكما يقول خليل التفكجى - خبير الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية بجمعية الدراسات العربية بالقدس- "رغم جميع الاجراءات السابقة ، تبين ان السكان الفلسطينيين تزايدوا واصبحوا يشكلون 35% من المجموع العام للسكان ، الامر الذي اضاء الضوء الاحمر امام اصحاب القرار السياسي الاسرائيلي ، مما يعني الخروج الى السيناريو الثاني ، وهو القدس الكبرى بالمفهوم الاسرائيلي ، وضم جميع المستوطنات الاسرائيلية خارج حدود بلدية القدس الى القدس الحالية ، وتغيير النسبة السكانية . وجاء قرار الحكومة الاسرائيلية باقامة جدار الفصل واستغلاله لاسباب سياسية وهو التخلص من السكان العرب الذين يسكنون داخل حدود البلدية واخراجهم خارج الجدار. "  (3)

 أما تحديد طول "غلاف القدس" فهو يعتبر من الأمور الصعبة ، فقد كانت المعلومات تشير فى بداية المشروع إلى أن طوله سيكون أقل من 100 كم ، ولكن بمرور الوقت حدثت عدة تعديلات متتالية زادت من التعرجات فى مساره ، وقد زادت هذه التعرجات من طوله كثيراً . وعلى الرغم من أن معظم الغلاف تم بناؤه بالفعل ، إلا أن الجزء المتبقى هو تحديداً الجزء المختلف عليه ، ويوجد أكثر من خط سير مقترح للجزء المتبقى ، وهذا هو سبب الاختلاف فى الأرقام فى مختلف المصادر ، وهى تنحصر حالياً بين 150 كم ، و180 كم  ، وأن باكتماله ستصبح مساحة القدس المضمومة داخله بحد أقصى 235 كم 2 ، أى مايوازى 4% من مساحة الضفة الغربية .  كذلك الأمر بالنسبة لعدد من سيتسبب الغلاف فى إخراجهم من المقدسيين ، ففى بداية الأمر كانت التصريحات تؤكد أن العدد يتراوح من 50 إلى 70 ألف مقدسى ، أما اليوم فقد ارتفع هذا العدد حتى وصل إلى 200 ألف .

خريطة توضح مسار الجدار وهو يتلوى شرق البلدة القديمة ليخرج مدينتى أبو ديس وعناتا ، 

ويدخل كتلة أدوميم الاستيطانية 

" والجدار يتألف من أربع كتل أساسية : جفعون شمالاً ، ومساحتها 31كم2 ، أدوميم شرقاً ، ومساحتها 61 كم2 ، وعتصيون جنوباً ، ومساحتها 71كم2 ، إضافة إلى القدس البلدية ، ومساحتها 72كم2 ، تفصل هذه الكتل عن محيطها الفلسطينى عدة معابر ، على رأسها معبر قلنديا الذى بات معبراً دولياً ، يحتاج من يمر خلاله إلى تأشيرة خاصة من سلطات الاحتلال ، كما لو أنه ينتقل من بلد إلى آخر . " (4)

خريطة غلاف القدس تظهر بها كتلة جفعون شمالاً ، وكتلة ادوميم شرقاً ، وكتلة عتصيون جنوباً ، وبلدية القدس فى الوسط ومسار الجدار بالأسود هو الذى تم بناؤه حتى عام 2007، وبالأحمر هو المخطط استكماله

جدار الخراب

برؤية بسيطة ، وبدون الحاجة إلى كثير من الإحصائيات والمعلومات ، تتبين حقيقة هذا الجدار ؛ فغلاف القدس بفكرته الشيطانية ، يدور معه الخراب حيثما حل ، فالسور ، بخلاف ما سيفعله من إخراجٍ للمقدسيين ، وإحلالٍ للصهاينة ، سيقتطع من أراضى المقدسيين التى يمر خلالها آلاف الهكتارات حتى يُبنى ، ثم يتسبب فى إلحاق مختلف أنواع الضرر بالآلاف بعد أن يُبنى !

" وتشير المعطيات إلى أن الغلاف العنصري المذكور سيؤدي في نهاية المطاف إلى ابتلاع نحو ربع مساحة الضفة الفلسطينية، وعزل أكثر من مائتي ألف فلسطيني مقدسي عن ذويهم في باقي مناطق الضفة الفلسطينية، وقد صادر الجيش الإسرائيلي من أجل الأعمال المباشرة في البناء (16) ألف هكتار من الأراضي الفلسطينية تمثل نحو (2.5) في المائة من مساحة الضفة الفلسطينية، أما الجدار العازل فسيصادر في نهاية المطاف (58) في المائة من مساحة الضفة الفلسطينية، بحيث تصبح في الجانب الإسرائيلي، من خلال سحب الخط الأخضر شرقاً في عمق الضفة الفلسطينية، وتبقى المساحة المخصصة للدولة الفلسطينية المطروحة (42) في المائة من مساحة الضفة، بعد استبعاد مساحة القدس الشرقية التي تشكل نحو ربع المساحة الإجمالية للضفة الفلسطينية. "(5) 

أما هؤلاء الذين سيخرجهم الجدار خارج القدس الكبرى ، فعليهم أن يعرفوا أنهم مطرودون من جنة إسرائيل ..

" وقد صرح رئيس الوزراء - السابق- إيهود أولمرت بأن كل من يسكن خارج الجدار هو خارج "دولة إسرائيل" ، الأمر الذى يؤكد بأن الجدار لم يكن أمنياً بمقدار ماهو ديموغرافى سياسى ، وعليه فإن إسرائيل بدأت بالفصل  فى التعامل مع سكان هذه المناطق على أساس أنهم يسكنون خارج إسرائيل " (6)

" وسيحرم هؤلاء الفلسطينيون من كل الخدمات التربوية والصحية وغيرها ، والتي كانوا يحصلون عليها عندما كانوا ضمن حدود القدس ، كما أن بعضهم سيفقد عمله ، أو تجارته على المدى البعيد. بل إن البعض تخوف من أن تعتبر "إسرائيل" هؤلاء من الغائبين وتصادر أملاكهم. كما أن دخولهم للقدس سيكون مرهوناً بما يقرره الجنود الذين يقفون على المداخل ، التي ستضعها "إسرائيل" عند الجدار ، حيث سيخضعون للتفتيش ، والتدقيق في وثائقهم ، والتفرس في وجوههم ، وسيكون مصيرهم في هذا مثل مصير إخوتهم في الضفة الغربية ، الذين يقفون في طوابير لساعات ، يلقون من العنت والمضايقة ما يجعل حياتهم أشبه بالجحيم." (7)

 ولكن هذا التخوف من اعتبار من أخرجه الجدار –رغماً عنه – ضمن الغائبين ، لم يعد بعد ذلك مجرد "تخوف" ، بل صار حقيقة واقعة .

" مخطط خطير جرى الكشف عنه فى أيار 2005 ، حيث تعمل حكومة الاحتلال بصورة سرية   على حصر ، وجمع القوائم الخاصة بأصحاب الأراضى الفلسطينية خلف الجدار ، تمهيداً لتحويلها إلى أملاك الغائبين .. وبحسب مصادر فلسطينية ، فإن سلطة الاحتلال أبلغت بالفعل مواطنين فلسطينيين بأن أراضيهم أصبحت بتصرف حارس أملاك الغائبين " (8)

أما على صعيد البلدات المقدسية التى سيخرجها الجدار من بلدية القدس فهى كالتالي:

- الرام، وضاحية البريد، وعناتا، وحزما شمال القدس .

- أبو ديس، والعزيرية، والسواحرة من الشرق .

- بير نبالا ، والجيب ، والجديرة ، وبيت حنينا البلد ، وقرى بيت سوريك ، وبدو، وقطنة ، والقبيلة وبيت إجزا ، وبيت دقو ، وبيت عنان من الشمال الغربى .

كل هذه البلدات كانت منذ القدم مقدسية ، وعلاقتها بالبلدة القديمة ، وما حولها ، متشابكة ، متشعبة ، لايمكن أن تنقطع إلا بمبضع حاد ، يمزق بدم بارد قلوب الناس ، ويحاول مسح ذاكرتهم رغماً عنهم . والأمر لا يقتصر على هذه البلدات فحسب ، بل يتخطاها إلى مابعدها من المدن المحيطة ،

وبحسب نص تقرير مركز المعلومات الإسرائيلى لحقوق الإنسان فى الأراضى المحتلة "بتسيلم":

" على مقربة من حدود القدس يوجد عدد من المدن (من بينها رام الله وبيت لحم) والمدن الصغيرة التي يعيش بها مئات الآف الفلسطينيين ، المرتبطين بالقدس ، بطرق وأشكال متنوعة. وتمتاز هذه العلاقات بالقرب المتميّز ، خاصة بالنسبة للقرى ، والبلدات المحاذية للحدود الشرقية للقدس: الرام وضاحية البريد، حزمة، عناتا، العيزرية، أبو ديس، السواحرة الشرقية والشيخ سعد، (فيما يلي الضواحي)، والتي يعيش فيها أكثر من (100.000) مائة ألف مواطن. وترتبط هذه الضواحي، من خلال البناء الكامل والمتواصل، مع الأحياء الواقعة داخل مناطق نفوذ القدس، ولم تكن للحدود البلدية، على وجه التقريب، أية أبعاد وتأثيرات على واقع حياة السكان من الناحيتين، حتى الفترة الأخيرة. ومع أنه كان يُطلب من سكان هذه الضواحي الذين يحملون هويات فلسطينية، التزوّد بتصاريح من أجل الدخول الى شرقي القدس، غير أن معظمهم كان يدخل دونما تصاريح، على سبيل العادة. إن تحديد مسار الجدار على طول خط الحدود البلدي يتجاهل بصورة فظة نسيج الحياة الذي تطور على مدار السنين ويهدد بتدميره بصورة تامة ."(9) 

أما شرح هذه العلاقات المتشابكة فى التقرير فهى كالتالى:

•على ضوء الصعوبات في العثور على سكن في شرقي القدس، وعلى مدار السنين، انتقل عشرات آلاف المواطنين للسكن في الضواحي. وما يزال هؤلاء يحتفظون ببطاقات الهوية الإسرائيلية ويحصلون على الكثير من الخدمات داخل المدينة.

•يدرس آلاف الأولاد الذين يقطنون في الضواحي ضمن جهاز التربية والتعليم في شرقي القدس، والكثير من الأولاد الذين يعيشون داخل مناطق نفوذ البلدية يدرسون في مدارس موجودة خارج مناطق نفوذ البلدية. وهناك أيضاً علاقات متبادلة، وإن كانت بمدى أقل، في مجال التعليم العالي.

•لا يوجد في الضواحي ولو مستشفى واحد. ويحصل معظم السكان على الخدمات الصحية في المستشفيات والعيادات الموجودة في شرقي القدس. النساء اللواتي يقطن في الضواحي يصلن بصورة دائمة تقريباً الى مستشفيات القدس من أجل الولادة، حيث أن الوصول الى مستشفيات بيت لحم ورام الله مرهون بإجتياز حاجز معزز (حاجز "الكونتينر" وحاجز قلنديا، بالتناسب) وقد يستغرق الوصول وقتاً طويلاً.

•يتم تشغيل جزء كبير من القوى العاملة من الضواحي في القدس (بجميع أجزائها). وتعتمد لقمة عيش أصحاب الحوانيت والمحال والمصانع على الزبائن الذين يأتون الى القدس، وقد تم اغلاق الكثير من المحال التجارية منذ الشروع ببناء الجدار العازل.

•يرتبط سكان شرقي القدس بأواصر القربى والعلاقات الإجتماعية الوثيقة مع سكان الضفة الغربية عامة، ومع سكان البلدات المجاورة بصورة خاصة."  (10)  

مقاومة الجدار

ما أن ظهر مشروع الغلاف إلى العلن ، وبانت مقاصده حتى هب المقدسيون لمقاومته بكل الطرق ، وفى 26 /2/2004 سقط عند قرية بدو أربعة من الفلسطينيين شهداء أثناء تظاهرهم ضد الجدار ، كانوا هم باكورة الشهداء المقدسيين فى مسيرة مقاومة الجدار غلاف القدس .

وصارت أخبار المسيرات التى ترابط عند موضع البناء ، والمظاهرات التى تعارض بناءه تتواتر بصورة يومية ، ويلحق بها طابور طويل من الشهداء والمصابين .

جنباً إلى جنب مع المظاهرات المندلعة ضد الجدار، استعمل المقدسيون الأساليب القانونية لوقف الجدار، فرفعت القضايا أماما المحكمة الإسرائيلية العليا، رغم أنهم يعلمون تماماً أنهم يشتكون إلى ذات الجلاد ، ليحكم لهم بصفته قاضياً  .

وعلى الرغم من أنهم نجحوا فى انتزاع أحكام فى صالحهم ، إلا انها كانت أحكام زائفة ، لاقيمة لها .

"فى مطلع العام 2005 أصدرت المحكمة الإسرائيلة العليا قراراً بوقف بناء الجدار فى قؤية بيت سوريك بطلب من مالكى الأرض ، لكنها تراجعت عن القرار فى مطلع فبراير/شباط 2005" (11) وتكرر هذا السيناريو مرات ومرات ، المحكمة تأخذ قراراً بالوقف ثم تتراجع فيه .

" ورغم هذه التوقفات المحدودة بسبب ما وصف " بالإجراءات القانونية " فإن عملية بناء الجدار حول القدس لم تتوقف ، بل تتابعت بوتيرة متسارعة . "  (12)

لكن الغريب بحق أن نجد من يعترض على هذا الجدار من اليهود أنفسهم ، وعلى رأسهم رئيس البرلمان الإسرائيلى رؤوفين ريفلين ، فقد رأى أن الجدار سيؤدى إلى تقسيم المدينة ، ويضاد مبدأ " وحدة القدس اليهودية " الذى تبنته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة !

الجدار والقانون الدولي

وبعيداً عن المحكمة الإسرائيلية العليا، فإن الجدار برمته غير قانونى، فقد نصت اتفاقية لاهاي لعام 1907 بداية على عدم جواز مصادرة الاملاك الخاصة ، وعلى ان تعتبر الدولة المحتلة بمثابة مديرة للعقارات فقط على الاراضي التي تحتلها،  واتفاقية جنيف الرابعة تنص على عدم جواز نقل أي أجزاء من الاملاك الواقعة تحت الاحتلال الى سيادة الدولة المحتلة للأراضي ، أو أي من مواطني دولة الاحتلال للعيش على الأراضي المحتلة . وهذا كله ينطبق على القدس الشرقية التى ضمتها إسرائيل ضماً أحادياً ضد إرادة المجتمع الدولى بأثره .

بالطبع تُوجت كل هذه القرارات الدولية بقرار محكمة العدل الدولية في 9 يوليو 2004 بعدم شرعية الجدار الفاصل كله، وهو القرار الذى صوتت لصالحه 150 بلدا عضوا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، من ضمنهم جميع دول الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين حينها، بينما عارضته 6 دول تتقدمها الولايات المتحدة وأستراليا وإسرائيل، بينما امتنعت عن التصويت 10 دول .

الجدار ومعاناة الفلسطينيين

تسبب غلاف القدس فى إيجاد أوضاع شاذة ، تثير العجب ، لكنها أبداً – بالطبع - لا تحول دون المضى فى المشروع القومى " المبارك "، حسب وصف السيد " نير بركات " ، رئيس بلدية القدس المحتلة الحالى الذى صرح بأن هذا الجدار "بركة " ، حتى ولو كان سيتسبب فى إثارة غضب الفلسطينيين !

فقد عزل الجدار بعض القرى عن مقبرتهم الوحيدة –كما فى قرية العزيرية -، وفى معظم القرى الأخرى عزل الأطفال عن مدارسهم ، والموظفين عن مقار أعمالهم.

"المقاصد والمطلع هما المستشفيان الرئيسيان اللذان يقدمان العلاج للفلسطينيين من الضواحى والقرى المحيطة بالقدس، كلا المستشفيين يقعان فى الطور، سيجد المستشفيان نفسيهما معزولين عن المرضى . الأمر نفسه ينطبق على موظفى المستشفيات . ففى مستشفى المطلع مثلاً 90% من الموظفين غير قادرين على الوصول إلى المستشفى ."  (13)

" سيعيش ربع مليون فلسطينى فى عزلة تامة بعد الانتهاء من بناء جميع مقاطع الجدار ، يضاف إليها العزلة المفروضة عليهم قبل ذلك ، بسبب الاجراءات الخاصة بدخول مدينة القدس ، والتى فرضتها عليهم السلطات الإسرائيلية من عام 1993 "  (14)

أما قمة المأساة فتبدو فى قرية صغيرة اسمها قرية " بِدّو" شمال غرب القدس ، كان لها نصيب كبير من هذه الأحاجى ، ففى نهاية عام 2006 كان الجدار قد أتم دورته حولها ، وتسبب فى وضعها فى موقف شاذ وغريب ؛ فقد طوقها بالكامل دون منفذ ، وحولها إلى بقعة صغيرة فى بحر من المستوطنات اليهودية ، لكن الأمر – على ما يبدو-  يمكن تجاوزه بشحذ العقل ، وفتح باب الابتكارات والإبداعات ؛ إذ أقترحت السلطات الإسرائيلية اقتراحاً مبتكراً ، وهو بناء نفق يمكِّن سكانِ القرية من التنقل عبره تحت الأرض !

هل ينجح الجدار فى فرض التهويد؟

لقد عرف التاريخ عدداً من الجُدر التى بناها أصحابها ، وهم يظنون أنها –حتماً- ستحقق أهدافهم ، ولكنها كلها أخذت وقتها ، ثم أنهارت ، من غير أن تحقق ما بُنيت لأجله ؛ فخط ماجينو الذى اعتمد عليه الفرنسيون فى حماية بلادهم ، سقط ولم ينجح فى حماية فرنسا من الألمان ، وخط سيجفريد الذى بناه الألمان سقط بدوره ولم ينجح فى حمايتهم  ، وجدار برلين الذي شق ألمانيا نصفين صارت ذكرى سقوطه عيداً يحتفل به الألمان ، وخط بارليف لم ينجح فى حماية الصهاينة أنفسهم من الجنود المصريين ، حتى أن رئيس الأركان الأسرائيلى حاييم بارليف الذى أخذ الخط اسمه تنصل منه، وقال ان هذه التسمية بدعة صحفية ، وليست تسمية رسمية !

ونحن على ثقة من أن هذا الجدار الواهى لن يهزم عزائم المقدسيين الصلبة ، وسيسقط حتماً مثلما سقطت هذه الجدر قبل ذلك . أما القدس التى حاول الصليبيون قبل تسعة قرون أن يمحو هويتها ، وأمعنوا فى ذلك امعاناً ، حتى ظنوا أنهم نجحوا نجاحاً باهراً ، فقد بقيت صامدة صابرة حتى قدم إليها أهلها ، وأزالوا عنها ما علق بها من دنس . واليوم أهل المدينة لن يقدموا إليها من خارجها ، فهم لايزالون يعيشون فيها ،  متشبثون بترابها ، مستمسكون بها إلى آخر رمق فيهم ، ومن خلفهم قلوب جميع المؤمنين فى كل بقاع الأرض ، تدعو الله لهم بالثبات ، والنصر على عدوهم .

ـــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1.كتاب القدس 2005 -2006 ، مؤسسة القدس الدولية، بيروت 2007 ، ص 4/19

2.الجدار الأمنى الفاصل بين الكيان الصهيونى والضفة الغربية، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمان، 2002ص37

3.خليل التفكجى، الجدار حول القدس – أبعاد ومخاطر، مقال على  الموقع الإلكترونى http://www.arikpeace.org

4.القدس فى قبضة الجدار، مؤسسة القدس الدولية، بيروت، ص52

5.نبيل محمود السهلي،  صحيفة الشرق الأوسط 1/5/2006

6.التقرير الاستراتيجى الفلسطينى 2008، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2008 ، ص251

7.جعفر هادي حسن ، صحيفة الحياة اللندنية 18/7/2005

8.كتاب القدس 2005- 2006 ، مصدر سابق ،  ص 4/11

9.تقرير مركز المعلومات الإسرائيلى لحقوق الإنسان فى الأراضى المحتلة "بتسيلم " على الموقع الإلكترونى  http://www.btselem.org/Arabic/

10.المصدر السابق

11.كتاب القدس 2005 – 2006 ، مصدر سابق ، ص4/7

12.المصدر السابق ، ص4/8

13.القدس فى قبضة الجدار ، مصدر سابق ، ص36

14.التقرير الاستراتيجى الفلسطينى  2007 ، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ، بيروت ، 2007 ، ص300