أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  دراسات :   في أحدث دراسة حول إعادة قراءة العلاقات المصرية الإسرائيلية   (13/11/2011)


د. قدري حفني:

التهديد العربي لإسرائيل صناعة صهيونية لتجميع شتات اليهود

القاهرة ـ عبد الرحمن هاشم:

أكد د. قدري حفني- أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس- والذي يعد رائد دراسات سمات الشخصية اليهودية، أن تراث علم النفس السياسي يوضح الدور الذي يمكن أن يؤديه "التحدي الخارجي"، والذي قد يصل في أحد صوره إلى صناعة "العدو"؛ عن طريق تضخيم خطر خارجي، أو حتى باختلاقه اختلاقًا، وذلك بهدف تقوية تماسك المجتمعات التي يهددها التفكك.

وأشار إلى أن إسرائيل قامت بتضخيم "الخطر العربي المحتمل" تجسيدًا لتلك الحقيقة العلمية التاريخية، بينما العرب لم يكونوا في حاجة لبذل جهد كبير لاختلاق أو تضخيم الخطر الإسرائيلي، لأنه بالفعل متجسد أمام العيون والعقول العربية عبر سنوات طوال اجتاحت فيها جيوش إسرائيل حدودهم أكثر من مرة، وارتكبت خلالها المذابح.. ولذلك نرصد أن العرب لم يجتمعوا على أمر قدر اجتماعهم على خطورة "إسرائيل" والصهيونية.

جاء ذلك خلال دراسة قدمها د. قدري حفني لمؤتمر "إعادة قراءة العلاقات المصرية الإسرائيلية في ظل المتغيرات الإقليمية الحادة"، الذي نظمه المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية بالقاهرة مؤخرًا, وقال في معرض دراسته: إن أكذوبة التهديد العربي لـ"إسرائيل" كانت مجرد آلية صهيونية تم اعتمادها وفقًا لقانون سلوكي نفسي اجتماعي مؤداه: أن الإحساس بالخطر والتهديد أدعى للتوحد والانصهار.. ولأن "إسرائيل" كيان غير طبيعي بحكم تكوينها، فقد آثر مؤسسوها أن يزرعوا الإحساس بالخطر في أعماق اليهود المهاجرين إليها، بحيث يحسون دومًا أن العالم المحيط بهم ـ أي العالم العربي- يهددهم بالفناء، الأمر الذي يصهر شتاتهم المتنافر، فيصبحوا سبيكة واحدة متماسكة في مواجهة الخطر.

كانت تلك هي المهمة الأساسية التي مارسها باقتدار قادة ومؤسسو إسرائيل: يروعون بها يهود إسرائيل لينصهروا في مواجهة الخطر، ويروعون بها يهود العالم ليزداد التفافهم حول إسرائيل، ويكسبون من خلالها المزيد من تعاطف العالم الغربي مع إسرائيل، مع تأكيد موازٍ بأن القدرة العسكرية الإسرائيلية قادرة على التصدي لأي تهديد.

وأشار د. حفني إلى أن هذه الأكذوبةـ أكذوبة التهديد العربي المرعب لإسرائيل ـ قد بدأت في التآكل مع معاهدات السلام واتفاقياته مع دول عربية عديدة، وأخذت التأثيرات الطبيعية لتآكل تلك الأكذوبة تُحدث فعلها في الشارع اليهودي في إسرائيل، وذلك وفقًا لذات القانون سالف الذكر بأن السلام والاستقرار أدعى لظهور التباينات والصراعات الداخلية، بينما الإحساس بالتهديد والخطر أدعى للتوحد والانصهار.

ويبين د. قدري أن إسرائيل بدأت في تفعيل تلك الآلية "الخطر الخارجي"، لرأب التصدعات الداخلية التي ظهرت في تلك الآونة، فبدأت العجلة في الدوران بزيارة شارون إلى المسجد الأقصى لتنفجر انتفاضة الأقصى، وليحل رصاص كتائب الأقصى التابعة لفتح، ثم كتائب القسام التابعة لحماس محل الحجارة، سلاح الانتفاضة الأولى، ثم لا يلبث شارون بعد الانتخابات الفلسطينية أن يقدم على قراره بالانسحاب من غزة من طرف واحد مع استمرار تطويقها، وكان من الطبيعي أن تصل الأحداث إلى ما وصلت إليه الآن.

وأضاف: لقد عاش في ظل الصراع العربي الإسرائيلي ما يزيد على ثمانية أجيال من العرب واليهود، من انتفاضة البراق  1929 إلى مذبحة غزة 2008، حتى أصبح ذلك الصراع سمة أساسية في حياتهم، تمتد آثاره إلى ما هو أبعد كثيرًا من الزعماء السياسيين وصناع الرأي العام؛ لتصل إلى أعماق المجتمع، بحيث يصبح جزءًا من الأغاني والأدب واللغة، ويكون جزءًا من أعماق الهوية القومية لأفراد كل جماعة من الجماعات المتصارعة.

ويؤكد د. حفني أن البنية السكانية ليهود إسرائيل طرأ عليها تغيرين أساسيين لهما علاقة وثيقة بمآل إسرائيل في المستقبل، وبقراراتها في الحاضر.

يستكمل الدكتور شرحه فيقول: يتعلق التغير الأول بطبيعة تكوين الأجيال اليهودية في إسرائيل، وبالتحديد جيل "الصابرا" أي أولئك الذين ولدوا في إسرائيل، وتربوا في المستوطنات الصهيونية، والذين كانوا موضوعًا لأول دراسة منشورة له عام 1971 بعنوان "تجسيد الوهم".

ويشير إلى نموذج بارز من أبناء ذلك الجيل من الصابرا القدامى، وهو "آرييل شارون" الذي ولد- إثر وصول أسرته اليهودية الصهيونية المتشددة المهاجرة من روسيا إلى واحدة من أوائل المستوطنات الزراعية اليهودية التي أقيمت في فلسطين- عام 1928.

ويعد شارون ـ من بين قادة إسرائيل ـ الأوثق ارتباطًا بما يجري أمام أعيننا اليوم في غزة: فعلى يدي شارون تم تدمير ما عرف باتفاقيات أوسلو للسلام، حين قام بزيارته الشهيرة للمسجد الأقصى في 28 سبتمبر 2000، والتي تفجرت على إثرها الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

وهو صاحب ما عرف بقرار "الانسحاب من غزة من طرف واحد"، وهما القراران اللذان ترتب عليهما ما ترتب من أحداث ما زلنا نشهد تداعياتها حتى اليوم.

كان شارون نموذجًا لجيل الصابرا القديم الذي نشأ في أحضان جيل المؤسسين الرواد، وتشرب مبادئهم، وتوالت أجيال الصابرا، وظلت أعدادهم تتزايد بالتدريج لتصل إلى 68% عام 2008 أي أنهم يمثلون غالبية إسرائيل اليوم.

ويصف الحقيقة السكانية الجديدة التي نشأت في إسرائيل، بأن غالبية سكانها لا تحمل خبراتهم المعاشة سوى "التاريخ الإسرائيلي" بعد قيام الدولة، واختفت من أذهانهم "حقيبة السفر الجاهزة دومًا"، ولم يعد في داخلهم ما يشعل (حماس) جيل المؤسسين الصهاينة من ذكريات الهولوكوست، ومعاناة اليهود في شرق أوروبا على التحديد.. لقد أصبحوا باختصار أكثر ارتباطًا بدولة إسرائيل على أساس براجماتي جديد.

ويقول الدكتور حفني: أما التغير الثاني، الذي طرأ على البنية السكانية في إسرائيل، فهو اليهود الروس، الذين توافدوا على فلسطين منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، والذين تصل نسبتهم العددية حوالي 17% من بين من يحملون الهوية الإسرائيلية، وتفوق نسبة الحاصلين على شهادات جامعية بينهم نظيرتها لدى بقية الإسرائيليين بأربعة أضعاف، كما يضمون نسبة عالية من غير اليهود تبلغ حوالي 30%، وفقًا لتقديرات الباحث المدقق، ماجد الحاج، في كتابه عن "الهجرة والتكوين الإثني لدى اليهود الروس في إسرائيل"، الصادر عام 2004، والذي اعتمد فيه على سلسلة من الدراسات الميدانية التي قام بها على مدى عقد من الزمان، وهم بذلك يختلفون كيفيًا عن بقية موجات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، إلا فيما يتعلق بتبني مواقف أشد تطرفًا حيال الفلسطينيين أصحاب الأرض.

ويقاوم هؤلاء المهاجرون الجدد الانصهار في الثقافة العبرية السائدة في إسرائيل، والتي حرصت الصهيونية على ترسيخها لدى أبناء إسرائيل من اليهود.

فهم على خلاف غيرهم من يهود موجات الهجرة السابقة، لم يتنازلوا عن ثقافتهم الأصلية: إنهم يتحدثون اللغة الروسية التي فرضوها كلغة ثالثة على أجهزة الإعلام الإسرائيلية الرسمية إلى جانب العبرية والعربية، كما أنهم متمسكون بعاداتهم وتقاليدهم، وحتى بمأكولاتهم الروسية حتى اليوم.

ولم يقتصر الأمر على الاحتفاظ باللغة والعادات والتقاليد الروسية القديمة، بل شكلوا داخل إسرائيل تجمعاتهم السياسية الخاصة، ولعل أبرزها هو حزب "إسرائيل بيتينو"، أي إسرائيل بيتنا، والذي أسسه في مارس 1999، أفيجدور ليبرمان، والذي يطالب برنامجه بضرورة فصل الضفة عن القطاع فصلاً تامًا، في كل مناحي الحياة وإلى الأبد، بحيث يصبح هناك كيانان منفصلان في الضفة والقطاع، وعلى إسرائيل التعامل مع كل كيان بشكل مختلف، وأن المفاوضات مع أبو مازن يجب أن تتركز على الضفة الغربية فقط، واعتبار كافة الاتفاقيات التي وقعتها الحكومات السابقة مع السلطة الفلسطينية لاغية.

وأشار د. حفني إلى أن التغيرات في المجتمع الإسرائيلي جرت في الحقبة التي تلت ما يعرف باتفاقيات السلام، وما ترتب عليها من غياب مخاطر التهديد على أيدي العرب فضلاً عن الفلسطينيين.

وفي المقابل، لم يغب الخطر الصهيوني عن العرب حتى قبل قيام دولة إسرائيل. بل ما زال الحديث عنه مستمرًا حتى اليوم.. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن الدول العربية لم تتفق على موضوع قط قدر اتفاقها على شدة خطورة إسرائيل والصهيونية، بدليل أن كلمة "تحرير فلسطين" قد تحولت إلى "أيقونة" ترددها الأجيال جيلاً وراء جيل.

حيث نرى أنه وبمجرد أن ينهار نظام عربي، إلا ويتضمن البيان الأول للنظام الجديد، بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدًا بتحرير فلسطين، وتخوينًا للنظام السابق الذي تهاون في مواجهة العدو الصهيوني.

ويقرر الدكتور حفني أنه بالرغم من اعتراف مصر والأردن ومنظمة التحرير بإسرائيل، بل وإقدام عدد من الدول العربية على إقامة علاقات إعلامية واقتصادية طبيعية مع إسرائيل، لم يَحُل دون انطلاق المظاهرات الشعبية والإعلامية في كافة الدول العربية بلا استثناء، وتستمر الهتافات تتصاعد إلى عنان السماء تدين التطبيع مع العدو الصهيوني، وتدعو لتحرير كامل تراب فلسطين.