أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  اعلام و شهداء :   الدكتور الشهيد الشقاقي.. نموذج الثوري المثقف   (27/10/2011)


حلمي قاعود     

يعد الاحتفاء بذكرى استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي تجديدًا لدراسة فكره المقاوم الذي تأسس على خلفية أكاديمية، تميزت بالتدرج وصولاً إلى درجة من النضج، حتى أصبح للشقاقي مدرسة فريدة، أسسها بناءً

 

على مرتكزات أفكاره، فكان المؤسس الأول لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

وتتزامن الذكرى السادسة عشرة لاستشهاد الدكتور الشقاقي مع عرس تحرير الأسرى الفلسطينيين من أسر السجان الصهيوني؛ دفاعًا عن حق تحرير الوطن الفلسطيني، حيث نموذج التضحية حاضر في كلتا الحالتين، غير أن الشقاقي قضى نحبه شهيدًا في عملية اغتيال على يد الموساد الإسرائيلي بمدينة "سليما"، في جزيرة مالطا، يوم 26 أكتوبر 1995، في أثناء عودته من ليبيا، أحدث محررات الربيع العربي الثوري.

الميلاد والنشأة

تأثر الشهيد الشقاقي بطبيعة التربية السلفية التي كان والده العامل البسيط يتميز بها، مما أهله لتعلم الخطابة، واعتلاء المنبر، فكان خطيبًا مفوهًا.

وكان الشقاقي، الذي ولد بمخيم رفح للاجئين عام 1951، من أسرة نازحة من قرية "الزرنوقة"، إحدى قرى قضاء يافا بفلسطين، وكان هو الابن البكر لعائلته، وماتت أمه التي تعلق بها كثيرًا وهو في الخامسة عشرة من العمر، مما ترك أثرًا عميقًا عليه طوال حياته، أكمل دراسته للرياضيات بجامعة "بير زيت" بالضفة الغربية، وعمل بالتدريس بالقدس لفترة قصيرة، ولكن طموحه دفعه للعودة إلى مقاعد الدراسة؛ وحصل على الثانوية العامة مجددًا، ليتمكن من الحصول على مجموع كبير أهلَّه للالتحاق بكلية الطب جامعة الزقازيق، إحدى الجامعات الإقليمية المصرية، مما أتاح له فرصة الاحتكاك بتيارات سياسية متعددة أعادت تكوينه ثقافيًا وفكريًا، ومهدت الطريق لتحقيق هدفه من أجل قضيته التي يحملها بين جنبيه.

الفكر ومعالم الطريق

كان الشهيد المناضل د. فتحي الشقاقي مثالاً للمثقف الثوري العربي الإسلامي، فقد حرص منذ اللحظة التي أدرك فيها مسؤوليته على بناء رؤيته وأفكاره  بصورة تدريجية؛ حيث يتفرد الدكتور فتحي الشقاقي، الذي يعد أحد أهم رموز التيار المستنير داخل الحركة الإسلامية، بثقافة موسوعية، واستيعاب عقلاني لمشكلات الحركات الإسلامية وقضاياها في العالم العربي والإسلامي، كما يعتبر أحد مجددي الحركة الإسلامية الفلسطينية، وباعثها في اتجاه الاهتمام بالعمل الوطني الفلسطيني، وإعادة تواصلها مع القضية الفلسطينية عبر الكفاح المسلح.

كان فتحي الشقاقي قبل العام 1967 ذا ميول ناصرية، إذ تبنى في مقتبل حياته السياسية فكرة إقامة المشروع القومي، غير أن نكسة 1967 أحدثت شرخًا عميقًا في أفكار هذا الجيل، الذي انجذب للفكرة الناصرية، ومنهم بالطبع الفلسطينيون، أصحاب القضية العربية المركزية، والذين ضاعت أحلامهم في لحظات، لتكتمل نكبة 48، ويفقدوا ما تبقى من أرضهم، وينتهي الحال بهم إلى مرحلة جديدة من اللجوء، ومن عمق هذه المأساة جاءت محاولة البحث عن المخرج، ولم يكن الشقاقي ابن الستة عشر ربيعًا، المحمل بالأفكار الناصرية، بعيدًا عن ذلك.

وانتقل فتحي الشقاقي من المعسكر القومي الناصري إلى الارتباط بالحركة الإسلامية سنة 1968، حيث تأثر بفكر الإخوان المسلمين في مصر خلال دراسته الطب في جامعة الزقازيق، غير أنه اختلف مع الإخوان المسلمين، وبرز هذا الخلاف بعد سفره لدراسة الطب في مصر عام 1974م، فأسس ومجموعة من أصدقائه حركة الجهاد الإسلامي أواخر السبعينيات.

وتأثر الشقاقي بكتاب "معالم على الطريق" للشهيد سيد قطب، فدرس الكتاب بدقة وتأنٍ، ووصف الكتاب بأنه "الذي قتل مؤلفه، وهو نفس الكتاب الذي أحيا جيلاً تربى عليه"، كما تأثر الشقاقي بشكل بالغ بفكر الإمام الخوميني، وخاصة بكتابه (الحكومة الإسلامية)، وألف كتابًا مهمًا عن الثورة الإيرانية أسماه "الخوميني..الحل الإسلامي والبديل"، وكون علاقات صداقة قوية مع عدد من مفكري وقادة الثورة في إيران، وكان نشر هذا الكتاب في مصر سببًا في القبض عليه عام 1979، وأعادت السلطات المصرية اعتقاله بتاريخ 2/7/1979 لمدة أربعة شهور، على أثر نشاطاته الإسلامية والسياسية، وتمكن الشقاقي من مغادرة مصر سرًا، نتيجة ملاحقة رجال الأمن، بتاريخ 1/11/1981، عائدًا إلى قطاع غزة، وذلك بعد مقتل السادات، واتهامه من قبل الدوائر الأمنية بأنه طرف فيه، وعلى علاقة مع الجماعات الإسلامية في مصر.

الجهاد.. التأسيس والانطلاق

يذكر الدكتور الشقاقي في مذكراته أن فكرة إنشاء حركة الجهاد الإسلامي نشأت أيام الدراسة الجامعية، وأنه كان هناك خلافات بينه وبين جماعة الإخوان المسمين في المنهج، وطُرق التغيير، وقضية فلسطين، والموقف من الأنظمة ومن العالم، فقرر الانفصال عن  صفوفها في أواخر السبعينيات، بعد قضاء ما يزيد عن عقد من الزمان تحت زعامة الشيخ ياسين.

 وشهد العام 1980 إنشاء حركة "الجهاد الإسلامي" في فلسطين، على يد عدد من الشباب الفلسطيني الدارس في الجامعات المصرية، برئاسة الدكتور فتحي الشقاقي.

وقبل أن يعود إلى فلسطين سنة 1981، كان قد سبقه عدد من إخوانه الذين تخرجوا سنة 1980 من الجامعات المصرية، وبدؤوا نشاطهم داخل الأرض المحتلة.

التحق الشقاقي بمستشفى فيكتوريا بالقدس لمدة سنتين، إلى أن اعتقل سنة 1983 لمدة عام لإصداره مجلة الطليعة، ثم أعيد اعتقاله سنة 1986، وحكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهمة التحريض ضد الاحتلال الصهيوني، ونقل الأسلحة إلى القطاع، والانتماء لحركة الجهاد الإسلامي، وقبيل انقضاء فترة سجنه أصدرت السلطات الصهيونية قرارًا بإبعاده مباشرة من سجن نفحة إلى الحدود اللبنانية بتاريخ 1-9-1988م، بسبب مشاركته في قيادة الانتفاضة الأولى من داخل السجن، حيث عاش سنة واحدة، ثم انتقل إلى دمشق.

وكان الشقاقي رجلاً تنظيميًا من الطراز الأول، مما أهله ليكون الأمين العام لحركة الجهاد، وذلك لما يتمتع به من قدرات تنظيمية فائقة، فقد استطاع وهو في لبنان توحيد ثلاث تنظيمات هي: سرايا الجهاد، والتي تشكلت في جنوب لبنان عام 1986 من الحركة الإسلامية، وكان يتزعمها إبراهيم غنيم، وحامد أبو ناصر، ومحمود حسن، وكمال قزاز، والاتجاه الإسلامي داخل حركة فتح، وكان يتزعمه منير شفيق، ومحمد بحيص، وحمدي سلطان، وحركة الجهاد ـ بيت المقدس، وكان يتزعمها أسعد بيوض التميمي، وقد أسفرت الاتصالات عن تشكيل إطار عسكري يحمل اسم "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين".

وبذلك حجز الشقاقي لحركة الجهاد موقعًا متقدمًا على ساحة العمل الجهادي في فلسطين، فما تزال من حيث قوتها تمثل القوة التنظيمية والقتالية الثالثة بعد فتح وحماس، ورقمًا صعبًا من العسير تجاوزه في أي تسوية محتملة.

من القيادة للشهادة

كان الرئيس الإسرائيلي "إسحق رابين" قد أقر خطة اغتيال الشقاقي بعد عملية "بيت ليد"، التي تبنتها حركة الجهاد الإسلامي، وأسفرت عن مصرع 22 وجرح 108 من الجنود الإسرائيليين.

الشقاقي كان على علم بأنَّه مُلاحَق، لذا لم يخرج كثيرًا من دمشق، وكان "حويطًا"، حسبما قال الإسرائيليون. وذكرت مصادر من «الموساد»، أنَّ الشقاقي كان يسافر فقط إلى إيران عن طريق رحلات جوية مباشرة.

وفي بداية شهر تشرين الأول من عام 1995، حسب رواية «الموساد»، تلقى الشقاقي دعوةً للمشاركة في ندوة «تجمع رؤساء التنظيمات» في ليبيا. وعلم الموساد أنّ سعيد موسى مرارة (أبو موسى) من «فتح» سيشارك أيضًا في الندوة.

وقال أحد أعضاء «الموساد»: إن أبا موسى من خصوم الشقاقي، وإذا شارك في المؤتمر، فإنَّ الشقاقي سيشارك، وطالب المختصين في الموساد «بالاستعداد».

كان مسار سفر الشقاقي إلى ليبيا معروفًا للموساد من خلال رحلاته السابقة، أي عن طريق مالطا، وعندها أعد أعضاء «خلية قيسارية» خطتين: اختطاف الشقاقي في أثناء سفره من مالطا إلى ليبيا، إلا أنَّ رابين لم يوافق على هذه الخطة؛ «خشية التورط دوليًا»، أما الخطة الثانية، فكانت تصفية الشقاقي في أثناء وجوده في مالطا.

سافر رجال «الموساد» إلى مالطا، وانتظروا الشقاقي في المطار، لم يخرج الشقاقي في الرحلة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، فبدأ رجال «الموساد» يفقدون الأمل بهبوط الشقاقي في مالطا، لكنهم سمعوا صوت أحد رجال «الموساد» في أجهزة الاتصال يقول «لحظة، لحظة، هناك أحد يجلس جانبًا ووحيدًا».

اقترب رجل «الموساد» من هناك، وقال مرة أخرى في الجهاز: «على ما يبدو هذا هو، وضع على رأسه شعرًا مستعارًا للتمويه».

انتظر الشقاقي ساعة في مالطا، ومن بعدها سافر إلى المؤتمر في ليبيا، من دون معرفته أنه مراقب، ويقول «الموساد»: إنَّ الشقاقي التقى هناك بأبي موسى، وطلال ناجي، من قياديي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة، تحت قيادة أحمد جبريل.

وفي السادس والعشرين من تشرين الأول "أكتوبر"، عاد الشقاقي إلى مالطا، وعرف «الموساد» أنَّ الشقاقي يستعمل جواز سفر ليبيًّا باسم إبراهيم الشاويش. ولم يجد صعوبة في تحديد مكانه في مالطا، بناءً على اسمه في جواز السفر.

وصل الشقاقي في صبيحة اليوم نفسه إلى مالطا، واستأجر غرفة في فندق يقع في مدينة النقاهة «سليما» لليلة واحدة، وكان رقم الغرفة 616. وفي الساعة الحادية عشرة والنصف، خرج الشقاقي من الفندق بهدف التسوق، ودخل إلى متجر «ماركس أند سبنسر» واشترى ثوبًا من هناك، وانتقل إلى متجر آخر، واشترى أيضًا ثلاثة قمصان.

وحسب رواية «الموساد»، واصل الشقاقي سيره على الأقدام في مالطا، ولم ينتبه إلى الدراجة النارية من نوع «ياماها» التي لاحقته طيلة الطريق بحذر.

بدأ سائق الدراجة النارية يقترب من الشقاقي حتى سار إلى جانبه محتسبًا كل خطوة، ثم أخرج الراكب الثاني، الجالس وراء السائق، مسدسًا من جيبه مع كاتم للصوت، وأطلق النار على الشقاقي.. ثلاثة عيارات نارية في رأسه، حتى تأكد من أنه «لن يخرج حيًا من هذه العملية».

أُلصق بالمسدس الإسرائيلي جَيْبٌ لالتقاط العيارات النارية الفارغة، لتفريغ منطقة الجريمة من الأدلة، وتجنب التحقيقات، وإبعاد الشبهات المؤكدة حول إسرائيل.

وكشف «الموساد» أنَّ الدراجة النارية كانت قد سرقت قبل ليلة واحدة من تنفيذ العملية، وتم «تخليص» عملاء «الموساد» من مالطا، من دون الكشف عن تفاصيل «تخليصهم».

ورأى «الموساد» عملية اغتيال الشقاقي إحدى «أنجح العمليات التي قام بها»، إلا أنَّه «أدخل إسرائيل في حالة من التأهب القصوى، بعدما وصلت إنذارات بعمليات تفجيرية».

رحم الله الشقاقي الرجل الصلب، الذي وصفه من عايشوه في درب جهاده بأنه جمع إلى شخصية المجاهد، الذي يقضُّ مضاجع جنرالات الجيش الذي لا يُقهر، وشخصية المخطط الرصين الذي يغوص في كل جزئيات عمله بحثًا وتمحيصًا، ويتحمل مسؤوليته كاملة.. جمع إلى ذلك شخصية المثقف الإسلامي المعاصر الواقعي المعتدل.. وهو مزيج نادر بين النماذج الجهادية التي حملت راية الجهاد في عصرنا؛ إذ حملها على خلفية ثقافية بدوية تتجافى وكل ما في العصر من منتج حضاري كالقبول بالاختلاف، والتعددية، والحوار مع الآخر، بدل تكفيره واعتزاله.