أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  اعلام و شهداء :   أحمد الكفارنة.. شهيد رسم جرحه خارطة الوطن ‍!   (15/8/2010)


أحمد عوف/ فلسطين    

لم يكن الخامس من يناير لعام 2009 يومًا عاديًا في حياة أم أحمد الكفارنة، كان لها موعد مع الألم والحزن ومرارة الفراق الأبدي، فقد استشهد صاحب القلب الكبير، والابتسامة الرائعة، وغادر الزوج الوطن إلى مستشفيات

 

 الخارج لتلقي العلاج، وتركيب أطراف اصطناعية بديلة لأطرافه المبتورة بفعل قصف همجي لمحيط بيتهم في شارع باسم نعيم ببلدة بيت حانون شمالي قطاع غزة في أثناء حرب الرصاص المصبوب.

التفاصيل تدور رحاها على لسان الأم والزوجة المكلومة والذكريات تتبعثر.. كلمات شوق وحنين على محيا الشقيق الأصغر عدنان وأبناء أشقائه الصغار، وبجميل الصفات بدأت أمه حديثها عنه، فما استطاعت مع الكلمات العطرة إلا أن تذرف دموع الفراق التي احتملها قلبها لعام ونصف منذ استشهاده في الخامس من يناير 2009، تقول ودمع العين يسبقها: "في البِرِّ كان الأول، وفي الحنان لم يسبقه أحد، وفي العطاء المميز، وفي الطاعة ليس كمثله أحد، لا يخرج إلا إذا أعلمني بوجهته وقبَّل جبيني ويدي، وسمع مني كلمات الرضا، فيبتسم ويمشي على وقع دعائي".

 تذكر أم أحمد أن لفلذة كبدها موقف واحد فقط خرج على عجالة من أمره دون أن يطرب لدعائها ورضاها، كان ذلك في اليوم السابق لاستشهاده، كما تؤكد، كان القصف شديدًا يوم الرابع من يناير الأسبوع الأول من الحرب، وخرج ليبصر أهوال القصف تقول: "وقتها بحث عني ولم يجدني، فخرج وتأخر بالليل فاشتعل قلبي خوفًا عليه، لكنه ما أن عاد حتى أقبل إليّ طالبًا السماح والرضا"، وتضيف: وقتها لم أملك إلا أن أغمره بحضني، وكانت المرة الأخيرة التي احتضنته فيها.

مدرب كرة القدم

سنوات عمره التسعة عشر، ونبوغ عقله، والتزامه الديني والأخلاقي لم يمنعاه أن يعيش تفاصيل حياة الطفولة ببراءتها ولهوها، فكان المدرب لشقيقه الأصغر عدنان على كرة القدم، ويسعد كثيرًا بصحبة أبناء أشقائه الصغار: محمد ومحمود وأحمد، الذي حمل اسمه، فكان له الكثير من الدلال، والنصيب الأكبر من الحلوى التي يملأ بها جيوبه إذا ما عاد إلى البيت ليهديها لهم بابتسامة وحضن دافئ، يقول شقيقه عدنان بعد عام ونصف على رحيله: "ما زلت أسمع همس نصائحه لي عندما ألعب كرة القدم برفقة أصدقائي". أما أبناء أشقائه فيفتقدون دلاله وحنانه وابتساماته الرائعة، وعطاءه اللامحدود، وتعينهم على آلام الفقد المعتملة في صدورهم صورة له على مدخل الشارع ينظرون إليها، ويغردون بألسنتهم بأدعية خالصة لله بأن يسكنه جنات عدن، ويجمعهم به في دار خلد.

يوم الرحيل

في اليوم الخامس من يناير كانت سماء بلدة بيت حانون ملغمة بالطائرات، والأرض مفعمة بالدبابات، والقوات الخاصة تتربص بالمواطنين العزل في بيوتهم وأراضيهم، فمن يحرك ساكنًا يناله القصف والموت، الكل التزم البيوت ليأمن القصف، لكن الطائرات وجهته لبيوتهم لتقتلع أراوحهم، ففي ساعة من نهار ذلك اليوم وجهت الطائرات صواريخها باتجاه منزل عائلة أبو هربيد المجاور لمنزل سميح الكفارنة، هنا لم يملك أحد البقاء في بيته، وسارعوا لنجدة الجار، ومنهم كان أحمد خرج مسرعًا فوجد أمامه أباه مبتور الأقدام، حاول النجاة به، فحمله بين ذراعيه ليقله إلى أول سيارة إسعاف تصل المكان، لكنه ما استطاع، عاجله صاروخ آخر فقذف بوالده أمتارًا بعيدة؛ ليتلقى هو الصاروخ فينجو والده، وينال هو الشهادة التي طالما تمنى وحلم بها.

خارطة الوطن على جبينه

رحل أحمد وكان يحمل في قلبه الهم الوطني، تمنى أن يزول الانقسام، وتتوحد الأرض بعد تحرير مظفر لها وللإنسان، فلا يبقى أسير بعد زوال الاحتلال عن جميع فلسطين، لكنه ما استطاع البقاء ليرى حلمه واقعًا، بل وجده أهله ورفاقه على جبينه مرسومًا بالدم، تقول والدته وهي تمسح دموع الذكرى عن وجنتيها: "أحمد أحب فلسطين، ودافع عن حريتها، ولأنه أحبها بإخلاص أبى جرحه إلا أن يرسم بدمه خارطتها على جبينه، بدت كاملة كما أراد أن يراها".. تخونها الدموع وتنسكب على صورة التقطها بعض الأصدقاء له في لحظات الوداع الأخيرة، وتضيف السيدة: إن فلذة كبدها كان يؤمن بأن تحرير الأرض لا يكون بالسلاح فقط، بل بالعلم والتسلح بالإيمان، ووحدة الصف على مبادئ وأهداف واضحة لخدمة الشعب، وليس لخدمة حزب أو فصيل بعينه.