أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
البطريركية تقدم استئنافًا ضد قرار بيع عقارات أرثوذوكسية لجمعية استيطانية        "إسرائيل" تطرد ناشطًا حقوقيًّا بدعوى انحيازه للفلسطينيين        تحريض "إسرائيلي" على مدرسة مقدسية بسبب زيارة لضريح "عرفات"        معارضة أمريكية وراء وقف نتنياهو التصويت على قانون "القدس الكبرى"        "شؤون الأسرى": 15 ألف حالة اعتقال لفلسطينيين خلال عامَيْن        53 مستوطنا يقتحمون ساحات الأقصى في الفترة الصباحية        نتنياهو يرجئ التصويت على قانون "القدس الكبرى"       

    
  دراسات :   في ذكرى اندلاعها.. انتفاضة الأقصى ونتائجها على "إسرائيل" في المستوى الإستراتيجي العام   (5/10/2017)


مفردات الدراسة:

1. مَدخل: حول ضرورات المُقاومة في زمن السلام والاستسلام.

2. المبحث الأول: لماذا كانت انتفاضة الأقصى لازمةً.. ويشمل قراءةً في مُوجبات اندلاع الانتفاضة على مختلف المستويات، وخصوصًا فيما يتعلق بالإجرام الإسرائيلي في حق الفلسطينيين، وفشل عملية التسوية.

3. المبحث الثاني: صورة رقمية حول تداعيات انتفاضة الأقصى على إسرائيل، وخصوصًا على المستوى الاقتصادي، ردًّا على العديد من الأصوات التي شَككَتْ في جدواها خلال سنوات اندلاعها.

4. خاتمة: حول احتمالات اندلاع انتفاضة ثالثة في ظل توافر الكثير من العوامل التي أدتْ إلى اندلاع انتفاضة الأقصى، وكيفية دعم الفلسطينيين في معركتهم المستمرة ضد الدولة اليهودية.

*.*.*.*.*

مدخل: حول ضرورات المُقاومة في زمن السلام والاستسلام:

على الرغم من مرور الكثير مِن السنوات على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، "انتفاضة الأقصى"؛ إلا أنها لا تزال تفعل تأثيراتها على مُختلف المُستويات المرتبطة بالقضية الفلسطينية ومُجمل الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث أدتْ إلى العديد مِن النتائج ذات الطابع الاستراتيجي التي لا تزال تداعياتها قائمةً، ومن المُرجح لها أنْ تظل قائمةً إلى سنوات طويلة قادمة.

فعلى المستوى الاستراتيجي العام، كانت الانتفاضة هي أول صدام عسكري مُتوسط الشدة على المقاييس العسكرية والسياسية بين إسرائيل وبين طرف فلسطينيّ أو عربيّ منذ حوالي عقدَيْن، وتحديدًا مُنذ الاجتياح الإسرائيلي المُوسع إلى لبنان في العام 1982م؛ حيث لم تكن الانتفاضة الأولى (1987/1993م) ذات طابع عسكريّ في صُلبِها، كما كانت انتفاضة الأقصى، وأطرَتْ الهزائم التي ألحقتها المقاومة الإسلامية خلال الانتفاضة الثانية بإسرائيل على مختلف المستويات إلى العديد مِن النتائج، ومِن بينها:

. تعطيل مسارات التسوية الفلسطينية- الإسرائيلية التي تجاوَزَتْ الكثير مِن الثوابت الفلسطينية والخطوط الحمراء للقضية، ومن بينها حدود الرابع من يونيو من العام 1967م، بما فيها القدس الشرقية، ولم تعُد مُنظمة التحرير الفلسطينية قادرةً على الحديث عن "عملية السلام"، واقتصر الحديث عن القرار الدولي رقم "242"، الذي يُطالب بانسحاب إسرائيل في أراضي الـ67.

. دخول قوى المقاومة الإسلامية إلى ساحة العمل السياسي الفلسطيني، وكان مِن بين نتائج نجاحها في إدارة الانتفاضة وإلحاق الهزيمة بإسرائيل فيها إلى فوزها الكاسح في انتخابات يناير 2006م التشريعية.

. كان لإثبات "حماس" وحركات المقاومة الفلسطينية الأخرى في الانتفاضة قدرة مجموعات صغيرة على التصدي، من خلال آليات عمل محددة، من بينها إطلاق الصواريخ قصيرة المدى على مدن وبلدات فلسطين المحتلة في العام 1948م، والعمليات الاستشهادية، لقوة عسكرية كبيرة مثل إسرائيل، دور بالغ الأهمية في عمليتَيْ "الوهم المُتبدد" و"الوعد الصادق" من جانب المقاومة الفلسطينية وحزب اللهِ اللبناني في يونيو ويوليو 2006م على التوالي؛ حيث استطاعت المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان أسر جنود صهاينة، وكسر شوكة الاحتلال الإسرائيلي في حرب الصيف على لبنان.

. استعادة البُعد الإسلامي للقضية الفلسطينية؛ حيث كانت الانتفاضة من أول أسبابها، وحتى الأطراف الفاعلة فيها ذات صبغة إسلامية؛ فهي اندلعتْ بسبب تدنيس زعيم المُعارضة الليكودية في ذلك الحين أرييل شارون، للمسجد الأقصى، كما كانت الأطراف الأكثر فاعليةً فيها حركات وفصائل إسلامية؛ حيث كانت حركة حماس مسئولة عن حوالي 40% مِن المجهود الحربي خلال الانتفاضة، وإذا ما أضيفت إليها حركة الجهاد الإسلامي وألوية الناصر صلاح الدين؛ سوف نجد أن الفصائل الإسلامية كانت مسئولةً تقريبًا عما يقرُب من 70% مِن حصاد وإنجازات الانتفاضة.

ولقد أدت هذه الصُّورة، وتضحيات الفلسطينيين خلال الانتفاضة إلى العديد مِن التحوُّلات المفاهيمية البنيوية في شأن القضية الفلسطينية على مستوى العالم ككلّ، حتى على مستوى الرأي العام الغربي الموالي لإسرائيل بالفطرة؛ حيث ضربوا، بأطفالهم ونسائهم، أروع أمثلة الصُّمود، ويكفي في هذا الإشارة إلى خنساء فلسطين، أو السيدة أم نضال مريم فرحات، التي قدمَتْ ثلاثةً من أبنائها شهداء في الانتفاضة، وبجانب أم نضال، هناك عندليب طقاطقة وأخواتها ممن استشهِدنَ على تُراب فلسطين الطاهر خلال الانتفاضة بمحض إرادتهن لرد العدوان.

ويكفي أيضًا الإشارة إلى مُخيم جنين الذي قدم أعظم ملاحم الصُّمود؛ حيث استطاع بضعة عشرات مِن المُقاومين الفلسطينيين المُسلحين بالأسلحة الشخصية الوقوف أمام القُوة العسكرية الإسرائيلية بكل جبروتها، لمدة تسعة أيام، مِن الثالث وحتى الثاني عشر مِن أبريل 2002م، برغم أن القوة الإسرائيلية التي شاركت في اجتياح المخيم- ضمن عملية "السُّور الواقي" التي هدفت لكبح الانتفاضة الفلسطينية ووقف العمليات الاستشهادية- كانت تضمُّ أكثر مِن 60 دبابة وعشرات المركبات المدرعة وطائرات مروحية حربية، كانت إحداها تحمل رئيس الأركان في ذلك الحين شاؤول موفاز.

وقد اتسعت المُشاركة الفلسطينية في يوميات الانتفاضة لتشمل فلسطينيي الـ48 الذين قدموا 14 شهيدًا في أيام الانتفاضة الأولى، وبرُزَ دورهم السياسي في سنوات الانتفاضة؛ حيث قادوا مظاهرات كبيرةً ضد الإجرام الإسرائيلي ضد إخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كل هذا أدى بدوره إلى العديد مِن التأثيرات العميقة على الشارع العربي والإسلامي، ففي دول الخليج، التي لم تعرف المظاهرات طيلة تاريخها؛ خَرَجَتْ مظاهرات التأييد لانتفاضة الأقصى، وهو ما أحرج الأنظمة العربية، والتي "اضطرتْ" إلى عقد قمة عربية طارئة في القاهرة، خرجت ببيان برغم أنها لم تصل فيه إلى مستوى الآمال والطُّموحات الشعبية؛ إلا أنه حمل دعمًا وأضفى صبغةً شرعيةً أعمق على انتفاضة الأقصى.

كما تحرك الشارع الإسلاميُّ، وخرج في مظاهرات حاشدة، وهو ما جعل مُنظمة المؤتمر الإسلامي تطلق على قمتها المنعقدة في العاصمة القطرية الدوحة في نوفمبر 2000م اسم "قمة الأقصى"، وخرج بيانُ القمة مُنتقِدًا ناقما إسرائيل، ولأول مرة الولايات المتحدة في تأييدها لإسرائيل في إجرامها بحق الفلسطينيين.

كما أحيَتْ الانتفاضة بعض الجوانب التي كانت قد تاهت في زحام التسوية، ومِن بين ذلك الدعوة إلى مُقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، ونشط مكتب المقاطعة العربية في دمشق، كما كان للانتفاضة تأثيرات كبرى حتى على الحركة الأدبية والفنية العربية.

إلأ أن الأمر لم يخلُ من محاولات البعض في وسائل إعلامنا ودهاليز سياستنا العربية التشكيك في الانتفاضة وفيما إذا كانت ضروراتها، وكذلك في تأثيراتها وجدواها، وخصوصًا في نتائجها على الداخِل الإسرائيلي، وفي هذا الإطار تناقش هذه الورقة مجموعةً من الأفكار حول أمرَيْن أساسيين؛ الأول هو لماذا كانت الانتفاضة لازمةً، وثانيًا مدى جدواها، باعتبار أن هذَيْن الأمرَيْن هما أكثر الأبواب دخولاً مِن جانب الأطراف التي تبنت الموقف الإسرائيلي في عالمنا العربي خلال فترة الاتفاضة وما بعدها.

*.*.*.*.*

المبحث الأول: لماذا كانت انتفاضة الأقصى لازمةً:

عِند دراسة أي حدث بحجم وطبيعة انتفاضة الأقصى الثانية؛ فإنه لابد مِن دراسة مُختلف العوامل والأبعاد التي أدتْ إلى اندلاعها، خصوصًا إذا ما كان هناك حاجة أو ضرورة مِن أجل إعادة إنتاج الحدث في ظروف وأوضاع مماثلة لتلك التي اندلعت الانتفاضة فيها، ولاسيما إذا ما تنامى الظُّلم الواقع على الفلسطينيين، كطرف أصيل في هذا الحدث، ووجود الكثير مِن الغُبن الذي يتهدد حقوقهم الأصيلة، مثل استعادة الأرض وعودة اللاجئين.

وكان العامل الرئيسيُّ الذي اندلَعَتْ في إطاره الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000م، تدنيس زعيم المُعارضة الليكودية في ذلك الحين أرييل شارون لحرم المسجد الأقصى في حماية أكثر مِن ثلاثة آلاف من عناصر الشُّرطة والجيش الإسرائيلييْن.

كذلك تردي الأوضاع في فلسطين والظُّلم الذي تقوم به إسرائيل في حق الفلسطينيين، والذي مِن بين مظاهره بناء جدار العزل العنصري الذي يستولي على 12.5% مِن مساحة الضفة الغربية المُحتلة، بينما مشروع القدس الكُبرى يستولي على 20% أخرى.

وفي حقيقة الأمر؛ فإن فكرة بناء الجدار موضوعة على أجندة المشروع الصُّهيوني مُنذ بواكير أيامه، ففي كتاب بعنوان "جدار الفولاذ" الذي صدر في العام 1932م، ووضعه زئيف جابوتنسكي، مُؤسس تيار اليمين المُتشدد في إسرائيل، ومُؤسس حركة البيتار التي أنتجت عصابات الأرجون زفاي ليئومي التي ارتكبت مجزرة "دير ياسين، يقول جابوتنسكي:

"لا مجال لأنْ يكون هناك مصالحة إرادية بيننا وبين العرب، لا الآن ولا في المستقبل. إن لدى كل فرد من العرب فهمًا شاملاً وكاملاً لتاريخ الاستعمار، وليحاول أحد أنْ يجد بلدًا واحدًا تحقق فيه الاستعمار بموافقه سُكانه الأصليين".

ويُضيف جابوتنسكي قائلاً: "لذلك النتيجة المنطقية لذلك هي أنه لا يُمكن تصوُّر أي اتفاق طوعيّ بيننا. إن على كل عملية استعمار أنْ تستمر، ولا يمكنها أنْ تستمر وتنمو إلا بحماية سور مِن القُوة، أي جدار فولاذيّّ لا يستكيع هؤلاء السُّكان اختراقه"!.

وتوافقت تلك الاوضاع مع تعطُّل كامل لعملية التسوية، وهبوط سقف التفاوض الفلسطيني مع إسرائيل، بعد مماطلة الأخيرة في بدء مفاوضات الوضع النهائي التي كان من المقرر أنْ تبدأ بعد خمسة أعوام مِن التوقيع على اتفاق "أوسلو- 1" أو اتفاق إعلان المبادئ في سبتمبر 1993م في واشنطن، أي في العام 1998م، وتم التوقيع على اتفاق واي ريفر بدلاً منها.

ثُم جاء فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية في صيف العام 2000م، مع إصرار حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود باراك على مواقفها مِن القدس وحق العودة، برغم أنها مِن المُفترض أنها حكومة عُمالية يسارية، وليست من اليمين الذي يحكم حاليًا، لكي يُعلن عن موات عملية أوسلو بشكل كامل.

في المُقابل كانت عملية التسوية قد أدت إلى تراجُع مستوى الاهتمام العربي والإسلامي بالقضية الفلسطينية، مع ميل أوروبا "الفِطري" لأخذ جانب الموقف الإسرائيلي في الصراع بعد أنْ "أثبَتَتْ إسرائيل حُسن نوايا" من خلال عملية أوسلو، وصارت الأوضاع في الشرق الأوسط تتجه إلى "السلام" أو "سلام الشُّجعان" كما كان يردد المغفور له ياسر عرفات دائمًا.

فلذلك فإن عدم وجود آفاق لحلّ سياسيّ عربيّ وإسلاميّ ودوليّ للقضية الفلسطينية أنشأ حالة تمرُّد لدى الشعب الفلسطيني، فكانت الانتفاضة مبادرةً شعبيةً بقيادة الحركة الإسلامية المُتمثلة في حماس والجهاد وفصيل كتائب صلاح الدين وبقية أجنحة الشجاعة في الأرض المُباركة، وردًّا على إخفاق المفاوضات السياسية ووصولها إلى طريق مسدود في كامب ديفيد عام 2000م، ورفضًا لمحاولات حكومة باراك إملاء شروطها السياسية، والساعية لتقزيم ثوابت القضية الفلسطينية.

كذلك هناك أهميةً خاصةً لمسألة الدفاع عن المسجد الأقصى، الذي كانت قد تزايدت الاعتداءات الإسرائيلية عليه سواء من جانب المستوطنين أو من جانب الحكومة الإسرائيلية ذاتها، ، وخصوصًا مع تزايُد أعمال الحفر أسفل الحرم القدسي، وتصدُّع بعض أساسات الحرم بسبب ذلك، وما نتج عن هذه الحفريات من إزالة للكثير مِن المعالم الإسلامية المحيطة بالحرم القُدسي الشريف، وكانت انتفاضة نفق البُراق في العام 1996م ردًّا على مساعي حكومة نيتانياهو افتتاح نفق البُراق الذي توقف العمل فيه في العام 1987م، أسفل المسجد الأقصى أحد مظاهر ذلك.

كما أن الانتفاضة الثانية اندلعت مُتشجعَةً في ذلك بالصحوة الإسلامية التي بدأت قبل عقود قليلة في المنطقة العربية وعلى مستوى عموم العالم الإسلامي، وعودة الاعتبار لمفهوم الجهاد كفريضة غائبة في الإسلام، وكان من أبرز مظاهر ذلك الحرب في أفغانستان ضد الغزو السُّوفيتي، والانتفاضة الفلسطينية الأولى التي شهدت الإعلان عن إطلاق حركتَيْ حماس والجهاد الإسلامي.

إذن كانت البيئة مُهيأةً بشكل كبير في العام 2000م، لاندلاع حدث بحجم الانتفاضة الفلسطينية، فقط كان حدث اقتحام الإرهابي شارون بطل صبرا وشاتيلا القذر للمسجد الأقصى هي الشرارة التي أدتْ إلى انفجار القنبلة وليس القنبلة نفسها؛ حيث كان الإحباط، ومِن ثَم الاحتقان الفلسطيني في قمته في تلك الفترة.

*.*.*.*.*

المبحث الثاني: الانتفاضة وتأثيرها على إسرائيل:

بلا شك خلفت الانتفاضة الفلسطينية العديد من التأثيرات والتداعيات على إسرائيل، على مُختلف المُستويات الاستراتيجية العامة، ومن بين أهم هذه التأثيرات اخترنا الجانب الاقتصادي؛ حيث هو الجانب الأكثر تأثيرًا على قُدرة إسرائيل على الحركة والفعل، بخلاف ما يظنّ البعض، بجانب مسألة الهجرة اليهودية؛ حيث المورد البشري والمورِد الاقتصادي هما أهمُّ مفاتيح قوة الكيان الصُّهيوني القابع في فلسطين، وهما المُغذي الأساسي لمشروعاته الاستيطانية ورفد قواته المسلحة بالبشر والسلاح.

ولكن تأثيرات الانتفاضة تتجاوز هذه الجوانب إلى العديد من الأمور الأخرى سواء على مستوى إسرائيل أو على مستوى الإقليم العربي والعالم الإسلامي، وخصوصًا إذا ما آمنا بأن الانتفاضة كانت مفتاحًا لمواجهات أخرى خاضتها إسرائيل وفشلت في تحقيق أهدافها من وراءها كما في حالة حرب الصيف 2006م على لبنان، وحرب شتاء 2008/2009م على قطاع غزة، ومن بينها:

. إعادة العرب والمسلمين إلى أجواء المعارك الحقيقية مع إسرائيل، وهو أكثر ما يُهدد الأمن القومي الإسرائيلي ونظرية الأمن الإسرائيلية؛ حيث يعتمد بقاء إسرائيل ذاته على قناعة نفسية توقرها من خلال الاستخدام المُفرِط للقوة، بأن إسرائيل دولة قوية لا تُقْهَر.

. كشف مواقف الكثير مِن الحكومات العربية والإسلامية، وحقيقة مزاعم الكثيرين من العرب والمُسلمين الرسميين، من أنها تسعى إلى تحقيق مصلحة الفلسطينيين وتسعى إلى مصلحة القضية.

. أثبتَتْ الانتفاضة أن الحل الأمثل للقضية الفلسطينية ولمواجهة إسرائيل، هو الجهاد في سبيلِ اللهِ، وليس الشعارات القومية، وهو من بين أكثر ما يُقلق اليهود؛ حيث إن إعادة الاعتبار للجانب الديني للقضية يعني استنفار مسلمي العالم لحرب اليهود في فلسطين، ووقتها لن تستطيعَ إسرائيل الصُّمود في معركة مثل هذه.

. أفسدت الانتفاضة وصحوة المُقاومة الإسلامية العديد من المُؤامرات لتطبيع العلاقات مع اليهود، ومساعدتهم على التعايُش السلمي في المنطقة، بما يتضمنُه ذلك من اعتراف بوجودهم غير الشرعي في فلسطين، ومساعدتهم على استنزاف خيرات الدول العربية والسيطرة على مقدراتهم.

. كشفت الانتفاضة، أسبابًا وأحداثًا، إجرامَ اليهود، ونقضهم لعهودهم؛ حيث كان من بين أسباب اندلاع الانتفاضة نقض إسرائيل لاتفاقيات أوسلو، ومن بين أهم معالمها جرائم إسرائيل في حق الإنسان والأرض؛ حيث ارتكبت أفظع الجرائم في مُخيم جنين في الضفة وفي مُخيم بلاطة في قطاع غزة، واغتالت بلا رحمة الشيْخ القعيد أحمد ياسين والدُّكتور الرنتيسي، ولإبراز وحشية إسرائيل خلال الانتفاضة؛ فإن عدد شهداء العام الأول منها يوازي تقريبًا عدد شهداء الانتفاضة الأولى بأكلمها، حوالي ما يقرُب من 1400 شهيد.

. أعادت الانتفاضة الاعتبار للدور الشعبي، وفي هذا يقول العلامة الشيْخ إبراهيم الدُّويش في محاضرة له بعنوان "حصاد السلام" عن انتفاضة الأقصى وتأثيراتها، إن الانتفاضة "أوضحَتْ للشُّعوب أن بيدها الكثير الكثير متى نَفَضَتْ غُبار الذُّل والهوان، وآمنَتْ بعقيدتها ودينها ومبادئها، واستقرأت تاريخها، وتربت على الشجاعة والعِزة والتضحيات، وآمنت بأن نُصرة العقيدةِ وإرادة الحُرية دونها بذل المُهَجِ وقوافل الشُّهداء".

. الانتفاضة أوجَعَتْ إسرائيل بشريًّا مِن جانبَيْن؛ القتلى الذين سقطوا خلال الانتفاضة بسبب الصواريخ والعمليات الاستشهادية والفدائية، وعلى مستوى فرار اليهود من إسرائيل وتقلُّص مُعدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين المُحتلة.

فعلى مستوى القتلى، ذكرت دراسة أعدها مركز النُّور للدراسات والبُحوث في قطاعِ غزة، أن عدد قتلى اليهود المُعلن في أول عامَيْن مِن الانتفاضة بلغ حوالي 631 قتيلاً، وهو ما يفوق جميع قتلى اليهود في ربعِ قرن مِن المُواجهات مع العرب والفلسطينيين، بينما بلغ عدد الجرحى مِن اليهود خلال هذَيْن العامَيْن إلى حوالي 5270 جريحًا، سقطوا جميعًا في 14 ألفًا و291 عمليةً نفذَتها المقاومة، وهو ما يزيد على حجم عمليات المقاومة الفلسطينية في أعوام ما بعد أوسلو.

أما على مستوى الهجرة، فقد عطلت انتفاضة الأقصى مشروع هجرة الإسرائيليين إلى فلسطين؛ حيث انخفضَتْ نسبة الهجرة اليهودية إلى إسرائيل إلى أدنى مُعدل لها، بنسبة 95% خلال العام الثاني للانتفاضة، مُقارنةً مع مُتوسط السنوات العشر التي سبقتها، وتم إلغاء الزيارات الجماعية التي يقوم بها اليهود لإسرائيل، وهاجر أكثر من 80 ألف يهودي مِن القدس المحتلة نهائيًّا في النصف الأول مِن العام الأول للانتفاضة وحده، وقال حوالي 48% مِن الشباب اليهود ما بين سن الثامنة عشرة وحتى سن التاسعة والعشرين، إن لديهم رغبة في الهجرة مِن الأراضي الفلسطينية المُحتلة عام 1967م.

وهي مشكلة لها طابع اجتماعيّ؛ بل وجوديّ بالنسبة لإسرائيل، وتزداد إلحاحية هذه المسألة إذا ما طالعنا هذه المُؤشرات:

- أن الإسرائيليين الذين يُهاجرون إلى الخارج هم بالأساس مِن الإسرائيليين المولودين في دولة الكيان الصُّهيوني أو كانت لهم إقامة دائمة منذ عِقدَيْ الخمسينيات والستينيات، حيث حوالي 73% ممن قرروا الرحيل عن إسرائيل هُم مِن الإسرائيليين الذين قامت على أساسهم دولة إسرائيل وشاركوا في حروبها السابقة، وهم مِن أكثر الفئات ولاءً لاستمرار دولة إسرائيل واستعدادًا للتضحية مِن أجلها.

- حوالي 86 % ممن قرروا الرحيل مِن إسرائيل والاستقرار في أوربا أو أمريكا الشمالية هُم مِن الشخصيات العلمية المرموقة، أو أصحاب المهن الرفيعة المستوى، وهو ما تتطور بهم المجتمعات والأُمم، في حين أن الآخرين هم من أصحاب المِهن الأدنى أو المستوي التعليميُّ المنخفض، وهؤلاء فضلوا البقاء في إسرائيل بسبب عدم وجود فُرص حقيقية لهم في الخارج.

ولقد أدت الانتفاضة في ثلاثة أعوام إلى فَرار حوالي 700 ألف إسرائيليّ من إسرائيل، وخصوصًا بعد عودة العمليات الاستشهادية، في المقابل شهدت معدلات الهجرة إلى إسرائيل انخفاضًا بنسبة 59%؛ حيث بلغ العدد الفعليُّ للذين هاجروا إلى إسرائيل منذ أواخر العام 2001م، وحتي النصف الأول مِن العام 2003م حوالي 9400 شخص فقط، ومن بين هؤلاء المهاجرين ستة آلاف شخص جاءوا مِن جمهوريات الاتحاد السُّوفيتي السابق، ومن غير حملة مُؤهلات علمية جيدة، أو رءوس أموال تُعوض ما فقدته إسرائيل بسبب الانتفاضة.

.......

رئيس الكنيست في حينه أبراهام بورج، أعد تقريرًا رفعه إلى رُؤساء لجان الكنيست المُختلفة، بعنوان "شهادة للتاريخ" جاء فيه عبارة ذات دلالة مُهمة للغاية في الشأن الذي نتناوله، قال فيها إن إسرائيل "نشأت في العام 1948م بفضل العقول الإسرائيلية المُبتكِرَة، والولاء النفسي العميق لدى كل مواطن إسرائيليّ بأن إسرائيل وُلدت لتبقى، أما الآن فإن الدولة تتكون مِن مجموعة مِن أصحاب العقول الضعيفة، ومِن المتشردين الذين يريدون الحصول على أموال فقط بعدما عجزوا عن أنْ يعيشوا في بلدانهم" الأصلية التي جاؤا منها.

ويقول بورج في تقريره أيضًا: "لابد أنْ نعترف بالحقيقة.. فآلتنا العسكرية، وعلى قدر ما دمرَتْ وحصدَتْ مِن أرواح الفلسطينيين؛ إلا أن الفلسطينيين ليس لديهم شيء يخافون عليه.. هم متمسكون بالأرض وبالموت عليها، أما نحن فإننا نخاف على هذه الدولة التي انشأها الأجداد بدمائِهم، ومع كل عمل (فدائيّ) فلسطينيّ تُقرر عشرات الأسر الإسرائيلية الرحيل من أرض الأجداد.. إننا نُؤثر السلامة والبقاء في الحياة، وهم (الفلسطينيُّون) يؤثرون الموت وعدم التفريط في الأرض.. لقد أرهقنا الصراع معهم أكثر مما أُرهِقوا هم، وفي النهاية، وبتلك الخصائص المُتناقِضة؛ فإن الفلسطينيين لابد أنْ ينتصروا ويسيطروا".

وقال بورج في تقريره أيضًا:

"ما أقوله (عن انتصار الفلسطينيين) لن يستغرق عشرات السنين كما يتخيل البعض، بل إن ذلك قد يحدث في مدى 20 عامًا فقط إذا كنت مِن المتفائلين باستمرار دولة إسرائيل إلى هذا التاريخ.. إننا في السنوات الماضية كان مبعث قلقنا الرئيسيُّ هو الزيادة السُّكانية الفلسطينية ومُعدلات الخصوبة العالية للمرأة الفلسطينية، إذا قُورنت بنظيرتها الإسرائيلية، وقررنا أنْ نتدارك هذا النقص بتقوية الآلة العسكرية الإسرائيلية وجَعلِها أقوى آلة في المنطقة، وبزيادة معدلات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل".....

....."ولكن الآن، فمهما وصل حجم تفوقنا العسكري، فأين هو الشخص القادر على تطوير هذه الآلة أو حتى استخدامها.. إن الإيمان بالخدمة العسكرية لدي الشباب الإسرائيلي لم يعد قائمًا، وأصبح جنودنا يخشون تلك المُواجهات الخاسرة مع الفلسطينيين، بالاضافة إلى أن المجتمع نفسه لم يعد يعبر عن التطوُّر الصناعي أو الزراعي أو التُّكنولوجي، ولكن هي مستوطنات منعزلة عن بعضها البعض".

وفي إسرائيل كثيرًا ما تظهر تقارير مِن هذا النوع تحذر من فكرة الهجرة المعاكسة في مُقابل ارتفاع معدلات المواليد العرب، ومن بين هذه التقارير، تقرير ليس حديثًا أيضًا كما هو تقرير بورج، ولكن له دلالاته في هذا الأمر، وصدر في العام 2003م، خلال حكم رئيس الوزراء الأسبق إرييل شارون، وأعده فريق مِن الكنيست ووزارة الخارجية الإسرائيلية وشخصيات من عناصر مجتمع الاستخبارات الإسرائيليّ بناءً على طلب مِن الكنيست للبحث في مستقبل "دولة إسرائيل".

التقرير حذر مِن أن إسرائيل مُهددة بالفناء؛ حيث صدر بالتزامُن مع أكبرعملية هجرة مُعاكسة مِن إسرائيل إلى أوروبا وأمريكا الشمالية؛ حيث بلغ عدد المهاجرين إلى كندا حوالي 30 ألفًا، وإلى الولايات المتحدة حوالي 429 ألفًا، وإلى بلدان أوروبا المُختلفة أكثر مِن 180 ألفًا، وكانت غالبية المهاجرين اليهود مِن إسرائيل هم مِن أصحاب العقول المتميزة، والذين ساهموا بالنصيب الأكبر في بناء دولة إسرائيل علميًّا وتكنولوجيًّا.

كما أشار التقرير الذي صدر على خلفية تضاعيف انتفاضة الأقصى الثانية، إلى أن المجتمع الإسرائيلي يُعاني مِن العديد مِن الأزمات الاجتماعية الحادة "إلى الحد الذي أفقد المجتمع الإسرائيلي تماسكه، ووحدة رأيه تجاه قضايا بعينها".

إذن فالانتفاضة جَعَلَتْ اليهود يعيشون في حالة من الرُّعب الدائم؛ فإما الفَرار أو القبوع في بيوتهم، وهو التأثير الأهم للانتفاضة، العامل المعنوي، والذي أكدَتْ عليه دراسات أخرى مماثلة، ومِن بينها دراسات إسرائيلية أيضًا؛ حيث أدتْ الانتفاضة إلى إعادة إحياء عقدة الحصار أو المساداة لدى اليهود، وأحدثَتْ شرخًا في الجبهة الداخلية للكيان الصُّهيوني، وضعضعت مِن الثقة في الجيش الإسرائيلي الذي شهد الكثير مِن حالات الفرار من الخدمة أو إصابة جنوده بالأمراض النفسية، كما تزايدت حالات إدمان المُخدرات في صفوف الجيش الإسرائيلي.

وكثير من اليهود تحدث إلى التليفزيون الإسرائيلي خلال الفترة التي شَهِدَت نشاط العمليات الاستشهادية؛ حيث قالوا إنهم يخشون الخروج من بيوتهم أو الانتقال عبر الحافلات أو الذهاب إلى مراكز التسوُّق الرئيسية، وتكررت ظاهرة نزولهم إلى الملاجئ بفعل قذائف الهاون وصواريخ المقاومة الفلسطينية محلية الصُّنع، وباتت تُشكل واحدةً مِن عناوين الرُّعب الأساسية لديهم، ولذلك، وبحسب الصُّحف الإسرائيلية في حينه؛ فإن نِسبة تعاطي الإسرائيليين للأدوية المُهدئة زادت بنسبة 22% خلال أشهر الانتفاضة الأولى بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة.

وعلى مُستوىً أكثر عموميةً، أشار التقرير المُشار إليه العديد من المشكلات الاجتماعية التي بدأت في الوضوح أكثر داخل المجتمع الإسرائيلي الذي تنخفض فيه تدريجيًّا، وبمعدلات مُتزايدة تصل إلى 12.8% سنويًّا، أعداد سُكان إسرائيل الأصليين إذا قورنوا بأعداد اليهود المهجرين مِن الخارج.

التقرير قال إن الفئة الأخيرة تحمل طابع العداء والكراهية والعنف والقتال، ولكن ليس ضد العرب أو الفلسطينيين، ولكن لبعضها البعض، فاليهود السوفيت يكرهون ويحملون شعورًا بغيضًا يصل إلى القتل تجاه اليهود الأوروبيين الذين يبادلونهم نفس المشاعر، واليهود الأفارقة قرروا القيام بأعمال سرقة ومُنظمة لليهود الأوروبيين الذين هم أحسن حظًّا من اليهود السوفيت، في حين أن اليهود الأمريكيين يكرهون كل جنسيات اليهود الأخرى؛ حيث ترغب هذه الفئة في الانفراد بعملية صناعة القرار الإسرائيلي.

وقد أدتْ هذه الوضعية إلى تفشي ظاهرتَيْن في غاية الخطورة، الأولى زيادة مُعدلات الجريمة في داخل المجتمع الإسرائيلي بأكثر من 44% عما كان عليه الوضع في نهاية عقد التسعينيات، وخصوصًا جرائم قتل المستوطنين اليهود لبعضهم البعض، أما الثانية فهو وضوح عدم الولاء لإسرائيل لدى اليهود الوافدين الذين احتفظوا بولائِهم للدول التي أتوا منها، وهذا يُفسر أحد الأسباب الرئيسية لتعاون عدد كبير مِن الجنود والضُّباط الإسرائيليين اليهود مع الفلسطينيين، واستعدادهم لبيع أسلحة إسرائيلية مُتطورة إلى المقاومة الفلسطينية وحزب الله في لبنان في مقابل أموال، وتحقيق مكاسب شخصية لهم على حساب دولة إسرائيل ومصلحتها العامة.

يُضاف إلى ذلك انتشار ظاهرة سياسات الفصل العنصري بين اليهود وبعضهم؛ بين سُكان إسرائيل الأصليين ومن عداهم مِن اليهود القادمين من الخارج، والسبب في ذلك أن المستوطنات التي تُبنى لاستيعاب المُهاجرين الجُدد أصبحتْ منفصلةً عن بعضها البعض، فكل مجموعة من اليهود من أصول مُعينة، أوروبيين أو روس أو أفارقة، وهكذا، تركزَتْ تتركز في مستوطنة بعينها، أو في مدن وقرىً إسرائيلية بعينها، وينظرون لبعضهم البعض نظرةَ عداء وشكّ.. قال تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيد تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتى﴾ [سورة الحشر- من الآية 14].
على المستوى الاقتصادي كان للانتفاضة أيضًا العديد مِن التداعيات، ومن بينها تزايد مستويات فَرار رجال الأعمال الإسرائيليين بأموالهم للاستثمار في الخارج، وخصوصًا ممن جاءوا للاستثمار في إسرائيل خلال عهدي رئاسة شيمون بيريز وأيهود باراك للحكومة.

وفي الأعوام الثلاثة الأولى للانتفاضة تم إغلاق نحو 184 مصنعًا للوسائط التكنولوجية، وتوقُّف 314 مُؤسسةً اقتصاديةً وسيطةً عَن النشاط الاقتصادي، آثر أصحابها أنْ ينقلوا نشاطهم إلى أمريكا الشمالية وأوروبا، كما أن نحو 2210 من رجال الأعمال، ممن يزيد حجم أعمالهم على المليون إلى عشرين مليون دولار أغلقوا مجال أنشطتهم الاقتصادية بسبب الخسائر المُتزايدة التي عانوا منها في أعوام الانتفاضة الثلاثة الأولى.

..............؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

وفي الأخير، فقد أثبتَتْ الانتفاضة بما لا يدع مجالاً للشك أن اليهود لا يفهمون إلا لُغة القُوة، وقَلَبَتْ الكثير مِن المفاهيم حول إسرائيل؛ حيث غيرَتْ مواقف كثير من دُعاة السلام؛ فأصبحوا يطالبون اليوم بقتال اليهود وجهادهم، وليس موالاتهم، ولذلك كله كان لابد من وأد الانتفاضة!!

ويكفي في هذا الإطار الإشارة إلى أن وأد الانتفاضة الفلسطينية، والقضاء على حركات المقاومة التي تقف وراء تدعيمها داخل الشارع الفلسطيني، كان على رأس أولويات الإدارة الأمريكية وأجندة تعاونها مع إسرائيل في مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م؛ أي بعد أقل من عام من اندلاع الانتفاضة، كما كانت الانتفاضة من بين أهم الملفات التي تأثرَتْ بالاحتلال الأمريكي الغربي للعراق في ربيع العام 2003م.

*.*.*.*.*
 
خاتمة

في حقيقة الأمر؛ فإنه في حالة التأمُّل في الواقع الراهن على مستوى تطورات وصيرورات القضية الفلسطينية؛ سوف نجد أن الكثير مِن العوامل التي أدتْ إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وهو ما بدأت تقارير أمنية إسرائيلية عديدة بدءًا مِن العام 2008م في التحذير منه استجابةً لعدد من الإشارات، من بينها بدء فصائل المقاومة في الحصول على المزيد مِن السلاح، وتحذيرات العديد من الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس من اندلاع انتفاضة ثالثة في حال استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى.

ومن بين العوامل التي تُذكر بالأسباب التي جعلت من الانتفاضة الثانية لازمةً قبل عشرة أعوام، وموجودة في وقتنا الراهن، وتجعل من احتمالات اندلاع الانتفاضة الثالثة أمرًا غير مُستبعد:

1. استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة جزئيًّا مُنذ يونيو من العام 2006م، عند أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في عملية الوهم المُتبدد، وكُليًّا مُنذ العام 2007م، عندما حَسَمَتْ حماس الأوضاع في قطاع غزة عسكريًّا.

2. استمرار الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد فلسطين بأكملها؛ ففي الداخل هناك قانون "الدولة والولاء" الذي يُجبر جميع "مواطني" إسرائيل، ومن بينهم العرب أصحاب الأرض الأصليين على أداء قسم اليمين للدولة العبرية كدولة يهودية.

أما في أراضي الـ67 في الضفة والقدس؛ فإن هناك العديد مِن الإشارات التي لا تخطئها العَيْن من جانب حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو في مجال الاستيطان، وخصوصًا في القدس الشرقية، مع تصاعُد الاعتداءات على المسجد الأقصى من جانب الجماعات اليهودية المُتطرفة، وما افتتاح كنيس الخراب في مارس 2010م إلا واحدةً مِن هذه الإشارات.

3. وصول المُفاوضات ما بين إسرائيل والسُّلطة الفلسطينية إلى طريق مسدود، وما إعلان الولايات المتحدة عن نفض يدَيْها مِن مسألة محاولة إلزام إسرائيل بتجميد الاستيطان في الضفة إلا إشارةً واضحةً على تكرار ذات الوضع الذي وصلَتْ إليه أوضاع التسوية خلال عملية أوسلو بعد اتفاق واي ريفر بلانتيشن في أكتوبر من العام 1998م إبان حكومة نيتانياهو الأولى.

4. وجود 6500 آلاف أسير فلسطينيّ في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ومن بينهم 30 امرأةً و1300 مريض، مِن دون أي بادرة قريبة للحل أو المُعالَجة.

إلا أنه تبقى مسألة غاية في الأهمية في تقييم مسألة ما إذا كان بالإمكان اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة من عدمه، وهي قضية الانقسام الفلسطيني؛ حيث إن حدث الانتفاضة مثله مثل الحرب، يكون بحاجة إلى توحيد الجبهة الداخلية، وحشد جميع الطاقات في إطار تعبئة الدولة بأكملها على المستوى الاستراتيجي للحرب، كذلك فإن التنسيق والتآلف ما بين مُختلف القوى الفلسطينية من أهم عوامل نجاح أي انتفاضة، وهو أمر غير مُتوافر في الوقت الراهن.

كذلك تغيب الشخصيات الكبيرة القادرة على قيادة انتفاضة جديدة في الضفة من أجل القدس أو من أجلِ غزة؛ حيث إن إسرائيل استطاعت من خلال سلسلة من الإجراءات الأمنية إما اغتيال أو اعتقال الرُّموز القادرة على حشد وتعبئة الصف الفلسطيني في الضفة للقيام بانتفاضة شاملة تؤذي المصالح الإسرائيلية الاقتصادية والأمنية والسياسية على ذات المستوى الذي قامَتْ به انتفاضة الأقصى.

والمشكلة الأكبر في هذا المُقام، والتي تعترض سبيل اندلاع انتفاضة ثالثة ضد الظُّلم الإسرائيلي، هي مسألة التنسيق الأمني بين السُّلطة الفلسطينية وإسرائيل، وهو الصُّورة الوحيدة مِن التنسيق التي لم تتوقف بين الطرفَيْن طيلة السنوات الماضية!!

والشاهد الأهم في هذا نجاح السُّلطة الفلسطينية في وأدِ أي تحرُّك في الضفة لنُصرة غزة خلال أيام عدوان "الرصاص المصبوب" الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة في شتاء العام 2008/2009م؛ حيث كانت السُّلطة قد استطاعت شل مفاتيح التحرُّك الرئيسية لفصائل المقاومة.

بينما قطاع غزة في الوقت الراهن أبعد ما يكون قُدرةً على القيام بأي عمل بمستوى الانتفاضة مع عدم وجود احتلال إسرائيليّ مُباشر فيه، ومِن ثَم فإن أي تحرُّك من جانب الفصائل الفلسطينية ضد إسرائيل سوف يكون له عواقب سياسية وخيمة على حالة القطاع وقيادته السياسية أمام الرأي العام الدولي الذي سوف يُسارع بطبيعة الحال إلى دعم إسرائيل في أيّ ما تفعله ضد الفلسطينيين في تلك الحالة!!