أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
لماذا لا يرد السوريون على الهجمات الإسرائيلية؟!        صور من دورة الجمعية العامة        السلطات "الإسرائيلية" تقوم بعمليات هدم وتجريف جديدة في النقب المحتل        التطبيع هو الوجه الحقيقي "للسلام الإقليمي"        مؤتمر في إسطنبول يُوصي باعتماد منهجية تربوية لتنشئة الجيل على الدّفاع عن الأقصى        الاحتلال يفرج عن أسير من الداخل المحتل عام 1948م بعد اعتقال دام 12 عامًا        ميلادينوف: الأمم المتحدة ستراقب عودة حكومة الوفاق إلى غزة       

    
  مقالات و تحليلات :   أصداء نازية   (14/4/2014)


فهمي هويدي     

من أي زاوية نظرت ستجد أن المشهد غير قابل للتصديق؛ إذ لا يعقل أن يصبح التعذيب ظاهرة بعد ثلاث سنوات من الثورة المصرية التى انطلقت أساسًا ضد الاستبداد، ودفعت لقاء ذلك ثمنًا غاليًا من دماء ألف شهيد قتلوا خلالها.

 ذلك؛ أن عودة الظاهرة لا تمثل انتهاكاً جسيماً للحقوق والحريات والكرامات فحسب، وإنما هي بمثابة عودة صريحة لنظام مبارك الأمني، وإعلان عن ارتداد الثورة، وتسجيل لأحد الانتصارات المهمة للثورة المضادة.

بالقدر ذاته؛ فإنه لا يعقل أن يعتاد الناس تلك الانتهاكات بحيث تصبح خبراً عادياً ومألوفاً في الصحف. والأدهى من ذلك والأمَر أن يلقى التعذيب أو القتل ترحيباً وتبريراً من البعض. دعك من الإنكار الذي ما برحت تؤكده أبواق المؤسسة الأمنية بين الحين والآخر؛ أن الشهادات شبه اليومية التي تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي تكذِّب تلك الإعلانات ولا تدع مجالاً لتصديقها؛ خصوصا أنها إما صادرة عن الضحايا أنفسهم أو عن ذويهم ومحاميهم الذين يتحدثون عن حالات رأوها بأعينهم، ولم يجرؤ أحد على نقض شهاداتهم أو التدليل على عدم صحتها.

 

الذى لا يقل خطورة عن ممارسة التعذيب، الذي يعد جريمة بكل المقاييس، هو صداه في بعض الأوساط التي لم تعد تستهجنه أو تستنكره. ومن يقرأ التعليقات التي يعبر بها هؤلاء من خلال الإنترنت على شهادات التعذيب أو أحكام السجن المجحفة أو الإعدام، يدهشه المدى الذي ذهب إليه تشويه الإدراك وتلويث الضمائر. ذلك؛ أن هؤلاء عبروا عن شعور بالشماتة وبالكراهية للمخالفين؛ ما جعلهم يقتنعون بأنهم لا يستحقون الحياة، وأن الإبادة عقاب طبيعي، وعادل لهم.

 

وهو ما يعيد إلى أذهاننا ثقافة الحكم النازي، في ألمانيا (أربعينيات القرن الماضي)، حين لم تكن المشكلة مقتصرة على سلطة مستبدة تبنت مبدأ تفوق العرق الآرى وقبلت بفكرة تطهير ألمانيا من الأعراق الأخرى، لكن ما فاقم المشكلة أن تلك الأفكار العنصرية البغيضة وجدت أنصاراً لها في المجتمع الألماني. وذلك التشابه يضعنا إزاء مفارقة غير قابلة للتصديق أيضاً تتمثل في أن الثورة ضد الاستبداد التي انطلقت في عام 2011م فرَّخت حركة شبه نازية في عامي 2013م و2014م.

 

من المفارقات أن فكرة إلغاء الآخر والقبول بسياسة إبادته يتم التبشير بها والترويج اليومي لها في الوقت الذي يؤكد فيه الخطاب السياسي الرسمي في كل مناسبة رفض إقصاء الآخر.

 

وهذا التناقض لا تفسير له سوى أن ذلك الخطاب يتحدث عن الالتزام برفض أي إقصاء لأي طرف من الفئات والمجموعات المؤيدة للسلطة. أما المغايرون فهم ليسوا داخلين في الحساب باعتبار أنهم ينتمون إلى «شعب آخر»، كما بشرت بذلك إحدى الأغنيات في وقت سابق.

 

المثير للدهشة؛ أن دوائر المسوغين للتعذيب ليست مقتصرة على عوام الناس وبسطائهم الذين تأثروا بدعايات التسميم وخطاب الكراهية، ولكنها شملت بعضًا من عناصر النخب الذين تخلوا عن التزامهم الأخلاقي، واختاروا الانحياز إلى السلطة وتأييد سياساتها، أو الوقوف موقف الحياد إزاء ممارساتها الفجة وانتهاكاتها الصارخة.

 

وقد قرأت لبعضهم وسمعت من البعض الآخر ما يفيد تمرير تلك الممارسات والانتهاكات بذريعة أنها من قبيل الضرورات التي تبيح المحظورات؛ وهو ما اضطرني إلى تذكيرهم بأن الإباحة التي قررها النص مرهونة بعوامل ثلاثة؛ أولها: توافر شرط الضرورة الذي لا ينبغي أن يخضع للهوى السياسي، كما لا ينبغي أن يمثل التفافاً على الحظر أو احتيالاً عليه.

 

العامل الثاني: يتمثل في أهمية أن تقدَّر الضرورة بقدرها دون افتئات أو تجاوز؛ بما يعنى أن الممارسة في هذه الحالة ليست مطلقة بلا حدود، ولكنها محكومة بالقدر الذي يكفل دفع الضرر المحتمل؛ جراء الالتزام بحدود الحظر. العامل الثالث والأهم: أن تحقق الإباحة في هذه الحالة مصلحة شرعية للفرد أو للمجتمع؛ بمعنى أن يظل الهدف مشروعًا ونبيلًا في كل الأحوال.

 

تستمر الدهشة حين نجد أن بعض الرموز فتحوا ملفات المستقبل بمناسبة الدخول في مرحلة الانتخابات الرئاسية دون أدنى إشارة إلى الجرح الكبير المفتوح والمتقيح المتمثل في استمرار التعذيب، وانتهاكات حقوق الإنسان، وملف آلاف الضحايا القابعين فى السجون؛ المعلوم منها والمجهولة.

 

وقعت على تشخيص لما نحن بصدده فيما كتبه أحد شباب الثورة، الشاعر والباحث تميم البرغوثي في جريدة «الشروق» (عدد 8/4) قال فيه: إن الثورة المصرية خربت خراباً شاملاً، وأنتجت فاشية مختلة عقلياً.. (حتى صرنا) في زمن يشبه أزمنة عيدي أمين في أوغندا وجان بيدل بوكاسا في أفريقيا الوسطى ومعمر القذافي في ليبيا وبولبوت في كمبوديا..

 

إذ في بضعة أشهر، منذ «ثورة الثلاثين من يونيو المجيدة» رزقت مصر بأربع مذابح، واحدة منها هي أكبر مذبحة عرفتها القاهرة منذ أواخر القرن الثامن عشر.

 

ورزقت بثلاثة وعشرين ألف معتقل، منهم نساء ومن النساء قاصرات. ورزقت مصر كذلك بالتحقيق في بلاغ يتهم دمية قماشية بالإرهاب، وبحبس طائر لقلق للاشتباه بأنه جاسوس، حيث وجدوا جهاز تتبع مثبتاً على ساقه، وباكتشاف علمي معجز يزعم صاحبه أن جهازاً اخترعته الدولة يحول الأمراض المستعصية إلى كرات لحم مفروم يتغذى عليها الناس..

 

ولم نقرأ في تراجم سلاطين المماليك وولاة العمثانيين ولا سيَر الغزاة من الإفرنج سواء في القرن العشرين أو حتى في القرن العاشر عن هذا كله مجتمعاً في عصر واحد.

 

إلى هذا المدى وصل القنوط ببعض شباب الثورة الذين يرفضون تصديق ما يجري؟!!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقال منشور في صحيفة الشروق المصرية بتاريخ 14/4/2014م