أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  دراسات :   المشروع الصهيوني.. الأصول التاريخية والجذور السياسية التأسيسية حتى الانتداب البريطاني   (12/3/2014)


مدخل:

في العام 1896م كتب تيودور هرتزل مقال قصير بعنوان "دولة اليهود"، في محاولة لإيجاد حل عصري لقضية اليهود في الشتات، أكد فيها أن اليهود ليسوا وحدهم من يحتاج إلى دولة لهم؛ بل جميع دول العالم أيضًا، وسيقع على كاهل أثرياء اليهود مهمة دعم هذه العملية ماديًّا.

أثار المقال بعد نشره مزيجًا من ردود فعل تراوح بين الحماس لها إلى الحقد أو اللعنة عليها، لكن مشروع هرتزل بدأ في كسب زخمًا تدريجيًّا له، ومضى يكتب الرسائل ويسافر في رحاب أوروبا؛ ليلتقي تجمعات اليهود في محاولته للشروع في تكوين دولة اليهود، حتى توجت جهوده نهاية المطاف بعد عام ونصف العام في القرار القاضي بعقد المؤتمر الصُّهيوني العالمي الأول.

ففي التاسع والعشرين من أغسطس من العام 1897م، التقى مائتان وخمسون شخصًا يمثلون اليهود في أربعة وعشرين دولة من شرق أوروبا وغربها في قاعة المؤتمرات في مدينة بازل بسويسرا، يجمعهم هدف واحد وهو إنشاء دولة يهودية خالصة في فلسطين، تقوم على طرد الشعب الفلسطيني منها وإحلال اليهود من كافة بقاع العالم محلهم.

وفي عام 1917م كانت البداية الحقيقية لنجاح المشروع الصُّهيوني؛ حيث منحت بريطانيا الشعب اليهودي "الحق" في إقامة دولته المستقلة في فلسطين من خلال وعد بلفور الشهير، ثم اعترفت بذلك الحق عصبة الأمم، التي سبقت الأمم المتحدة عام 1922م، عندما اعترفت بالاحتلال البريطاني لفلسطين انتدابًا على هذا البلد، ثم أقرت به هيئة الأمم المتحدة عام 1947م من خلال قرار التقسيم الشهير "181" الصادر في التاسع والعشرين من نوفمبر من ذلك العام.

وفي الرابع عشر من مايو 1948م، انسحب الاحتلال البريطاني من فلسطين، وأعلن ديفيد بن جوريون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية آنذاك، وأول رئيس وزراء لإسرائيل، في التالي مباشرة قيام "دولة" إسرائيل و"عودة الشعب اليهودي إلى أرضه التاريخية"، وتم إعلان إسرائيل "دولة يهودية" دون أية حدود جغرافية ولا دستور.

عنصرية واستعمار

قامت الصُّهيونية على أكتاف الاستعمار، البريطاني أولاً، والذي زرعها في المنطقة لتحقيق مصالحه حينها، المتمثلة في حماية قناة السويس، وتقطيع أواصر الوحدة العربية التي في حال قيامها، والتي ستهدد المصالح البريطانية، ثم الولايات المتحدة بعد ذلك، التي دعمت من المشروع الصهيوني بين ظهرانيي بلادنا العربية والإسلامية.

كانت الحركة الصُّهيونية ذاتها تعلم بحقيقة النوايا البريطانية تجاهها، لكنها قبلت قواعد اللعبة البريطانية إلى أن تم إنشاء دولتها في فلسطين، وسرعان ما انقلبت عليها بعد الحرب العالمية الثانية "1939- 1945" لترتمي في الأحضان الأمريكية، باعتبار أن الولايات المتحدة كانت في ذلك الحين هي القوة الصاعدة في العالم بعد هذه الحرب.

أي أن الصُّهيونية باختصار حركة عمادها الأساسي العنصرية والاستعمار، وإن حاولت الاختفاء وراء عباءة الديانة اليهودية، فالبعض يعتبر أن الصُّهيونية أستغلت اليهودية أسوء استغلال، والبعض الآخر يرى أن هناك اختلاف كبير بين الصُّهيونية واليهودية؛ حيث يوجد العديد من الكتاب والإعلاميين والسياسيين اليهود الذين يوجهوا انتقادات لاذعة للفكر الصُّهيوني، مؤكدين كذبه وافتراءه على اليهودية.

ويرى فريق ثالث أن الصُّهيونية هي مرحلة متقدمة من اليهودية، ولا يمكن فصل الصُّهيونية عن اليهودية بأي حال من الأحوال، فالدين اليهودي يشكل المصدر الرئيسي للفكرة الصُّهيونية التي ستفقد كل دعائمها الإيديولوجية إذا ما أُفرغت من محتواها الديني التوراتي.

فالكتب الدينية اليهودية، خاصة التوراة والتلمود، تشكل المنطلق الفكري والعقائدي الأول للفكرة الصُّهيونية والمشروع الصُّهيوني؛ لأن الفكرة الصُّهيونية السياسية تنطلق أصلاً من مقولة "حق اليهود الإلهي" في فلسطين، فإذا جُرِّدت الفكرة الصُّهيونية من هذه الركيزة الأساسية؛ فإنها تفقد كل دعائمها الأخرى.

وعلى أي حال من المؤكد وجود علاقة قوية بين الصُّهيونية واليهودية؛ حيث كثيرًا ما يستخدم القادة والزعماء النصوص التوراتية لتبرير توجهاتهم السياسية، وتصويرهم للعالم أن الدولة الإسرائيلية هي مشيئة ووعد إلهي، حتى أن الكتب الدينية اليهودية تحفل بعدد كبير من النماذج العنصرية التي تتجلى بشكل رئيسي بالموقف من الآخر، أي غير اليهودي، حيث تدعو الشريعة اليهودية وتعاليمها إلى " الهالاخاه" أي التمييز بين اليهودي وغير اليهودي في كل مجالات الحياة، وصولاً إلى أشد الأمور حساسية، ألا وهي حياة الإنسان.

فوفق أحكام الديانة اليهودية يعد قتل اليهودي جريمة كبرى عقوبتها الإعدام، أما عندما يقتل اليهودي شخصًا غير يهودي (أي جوييم أو الأغيار بالعبرية)، يكون اليهودي مذنبًا بارتكاب خطيئة ضد قانون السماء لا تعاقب عليها المحكمة، أما في حال التسبب بموت غير يهودي، بطريقة غير مباشرة، فلا يعد الأمر خطيئة على الإطلاق، والقاتل غير اليهودي للولاية اليهودية، يجب أن يُعدم سواء كان الضحية يهوديًا أو غير يهودي، لكن إذا كان القتيل غير يهودي، وتحول القاتل إلى اليهودية، فلا يُعاقَب!

أما في حالة الحرب، فيمكن أو حتى يجب قتل الجميع المنتسبين إلى الشعب المعادي لليهود، وهذا ما ظهر في كتيب صادر عن قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، حيث كتب الحاخام الرئيسي في هذه القيادة: "عندما تلتقي قواتنا بمدنيين خلال الحرب أو خلال ملاحقة ساخنة أو غزو، ولم يكن مؤكدًا أن أولئك المدنيين غير قادرين على إيذاء قواتنا، فوفق أحكام الهالاخاه، يمكن، لا؛ بل يجب قتلهم، والثقة بعربي غير جائزة في أي ظرف، في الحرب، عندما تهاجم قواتنا العدو، فهي مصرح لها، لا؛ بل مأمورة بأن تقتل حتى المدنيين الطيبين، أي الذين يبدون ظاهريًّا أنهم طيبون".

ولا ننسى الفتاوى المرعبة التي ظهرت من الحاخامات ورجال السياسة الإسرائيليين، ومنهم من يعبر عن وجهة نظر رسمية، خلال العدوان على قطاع غزة في شتاء العام 2008/2009م، ولا تزال تصدر في حقيقة الأمر، والتي تدعو إلى قتل الأطفال والنساء الفلسطينيين!!

فعلى سبيل المثال فقط؛ لا الحصر، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية يوم 19 يناير 2009م، خلال الحرب على غزة، فتوى للحاخام شموئيل إلياهو رد فيها على سؤال مفاده: "هل يجوز قتال النساء والأطفال في الحرب؟!"، وقال إلياهو حرفيًّا: "في حال ما يكون هؤلاء الأطفال والنساء وسط الرجال من أعداء "إسرائيل"؛ فإنه من المباح أن يقوم الجيش بما قام به البطل التوراتي اليهودي "شمشون" من هدم المعبد فوق رأس الجميع بلا تمييزٍ".

ويظهر من ذلك الطابع الدموي والعنصري للدولة الصُّهيونية إزاء الآخر- العرب والمسلمين- وليس ما نسمعه يوميًّا من اجتياحات وعمليات قتل منظم للفلسطينيين وتهجير وغيره، إلا تطبيقًا واقعيًّا وعمليًّا على الفكر الصُّهيوني العنصري الاستعماري.

إن التحالف الصُّهيوني الغربي والأمريكي يهدف بصفة أساسية إلى تحقيق عدد من الأهداف المشتركة بين هذه الأطراف، أبرزها تفتيت الدول العربية ظاهريًّا وباطنيًّا، كما حدث في السودان والعراق وغيرها، وأن تحصل إسرائيل على حصة من الثروات العربية، وانتزاع اعتراف من الدول العربية بالدولة اليهودية، وأن تبقى إسرائيل واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، عن طريق تجنيد بعض الحكام العرب لتنفيذ المخططات والإبقاء على حالة الجهل العربي والتفوق الإسرائيلي، وبطبيعة الحال تنازل الفلسطينيين عن حقوقهم المشروعة.

ولا ننسى أن نؤكد في الإطار، على أن الأطماع الصُّهيونية لا تقتصر على فلسطين فقط باعتبارها أرض الميعاد حسب العقيدة اليهودية؛ بل تمتد لتشمل المناطق الممتدة بين نهرَيْ الفرات في العراق والنيل في مصر، وفقًا لما يسمونه بمشروع "دولة إسرائيل الكبرى".

لذا قامت إسرائيل باحتلال شبه جزيرة سيناء عام 1967م، وحفزت الإدارة الأمريكية على احتلال العراق عام 2003م، لتجد لها موطئ قدم في الدولة العراقية، وقد نجحت إثارة النزعات العرقية والإثنية فيها تمهيدًا لخطة التقسيم الصُّهيونية لتحويل العراق إلى ثلاث دول صغيرة، حتى تحقق حلمها المنشود.

ويتفق المشروع الصُّهيوني العالمي مع حلفائه في الغرب، وخصوصًا في الولايات المتحدة، على ضرورة التصدي للإسلام بكل الوسائل، فمنذ أن انهارت الشيوعية والحديث لا ينقطع عن أن الإسلام هو إمبراطورية الشر الجديدة التي ينبغي القضاء عليها، والتي حلت محل إمبراطورية الشر القديمة، الاتحاد السوفييتي السابق والكتلة الشيوعية.

وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، لتنفجر الآلة العسكرية والإعلامية الغربية التي تحرك الصهيونية العالمية جزءًا كبيرًا منها، في وجه الإسلام والمسلمين، ودأبت وسائل الإعلام العالمية التي تمول الكثير منها منظمات ورجال أعمال يهود على إلصاق تهم الإرهاب والعنف بالمسلمين، وتشويه صورتهم في العالم أجمع، في إطار الحرب الصليبية الجديدة ضد الإسلام.

في التعريف بالصُّهيونية والمشروع الصُّهيوني

هناك العديد من المفاهيم الغائبة عن وجدان وفَهْمِ شرائح كبيرة من الشباب العادي في العالم العربي والإسلامي، تبعًا لعددٍ من العوامل، من بينها التراب الذي أهالته عقودُ سيطرة الأنظمة والحكومات العلمانية والقومية على القرار في كثير من بلدان العالم العربي والإسلامي، وسنوات ما بعد كامب ديفيد وأوسلو، وكذلك جهود الآلة الإعلامية الصُّهيونية عبر العالم التي سعت إلى طمس الكثير من الحقائق المُتعلِّقة بالصِّراع في الشرق الأوسط.

إلا أن الجهود التي قادتها الصحوة الإسلامية خلال العقود الأربعة الماضية، قد نجحت في إعادة الأمور إلى نِصابها فيما يتعلق بطبيعة هوية القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، باعتبارها قضية إسلامية بالدرجة الأولى، وصراعًا دينيًّا وحضاريًّا بالأساس، يتجاوز مجرد فكرة أن الصراع والقضية يتمحوران حول أراضٍ استولَتْ عليها العصابات الصُّهيونية في حربَيْ 48 ويونيو 1967م، أو شعبًا شُتِّتَ مِن هذه الأرض، يبحث عن حقوقه الضائعة.

كذلك أعادت جهود الصحوة الحقائق الحضارية والسِّياسية للقضية وللوجود اليهودي الاستيطاني في فلسطين إلى الواجهة، إلا أن هذه الجهود وجدت أمامها العديد مِن المعوِّقات، مِن أهمها رواسب عقود مضَت من طمس حقائق وهُوية الصراع والقضية الحقيقية، ومن قبلها قرون الاستعمار التي وأدت الكثير من سمات هُوية الأمة.

ومن بين ما طمسته العديد من المكونات الأساسية للفكر والعقيدة لدى المسلمين، مثل الجهاد والأُخوة الإسلامية والالتزام بتعاليم القرآن الكريم، وغير ذلك من القيم التي عَلِمَ الغرب أن لا بقاء له ولمشروعه الاستعماري في المشرق العربي الإسلامي، والذي تمثل إسرائيل في الوقت الراهن رأس الحربة الرئيسي له، إلا بمحوها مِن نفوس وعقول العرب والمسلمين أفرادًا وجماعاتٍ.

ولذلك عندما حاولت جماعات المقاومة الإسلامية العمل، لم تجد الظهير التعبوي والاستراتيجي الشعبي لها بالدرجة الكافية لحماية مشروعها، مما كشف ظهر المجاهدين في مقابل استمرار دعم الغرب المسيحي اليهودي لإسرائيل أفرادًا ومؤسسات وأنظمة وحكومات.

إذن لابد أن نضع في الاعتبار، حتى نفهم الصراع العربي الإسرائيلي بكل إشكالاته ومكوناته، أنه صراع ديني وحضاري شامل، وليس صراعًا على الأرض كما يتخيل البعض، وأن المواجهة الشاملة للمشروع الصُّهيوني في المنطقة تتطلب مشروعًا تنويريًّا حقيقيًّا يقوم على مرتكزات واقعية.

ويتطلب أيضًا، بعث الوعي لدى الشباب بخطورة المخططات الصُّهيونية وتأثيرها على الأمن القومي العربي والإسلامي؛ حتى يدركوا عدوهم الحقيقي، فكما تبني إسرائيل حاليًا جدار الفصل العنصري لإبعاد الفلسطينيين عن أرضهم المغتصبة؛ قامت العديد من الأنظمة العربية ببناء جدران لتضليل الشباب وصرفهم عن مواجهة عدوهم الحقيقي.

يؤكد الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته "اليهود واليهودية والصُّهيونية" على صعوبة التوصل إلى تعريف محدد وشامل لكلمة الصُّهيونية "Zionism"، ومرد ذلك أن البعض ينطلق في التعريف من منظور معين، أو من جانب معين، ويهمل الجوانب الأخرى للمصطلح.

ويشير المسيري إلى أن المصطلح نفسه مر بعدد من الأطوار، أولها ارتباطه بالتراث الديني اليهودي، حيث تشير كلمة صهيون إلى جبل صهيون في القدس الشريف، وإلى الأرض المقدسة ككل، ويُشير اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم "أبناء أو بنات صهيون"، كما يُستخدَم المصطلح أيضًا للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية.

والواقع أن قضية "العودة إلى صهيون" باتت فكرة محورية في النسق الديني اليهودي؛ إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن الماشيح المخلِّص سيأتي في آخر الأيام ليقود شعبه إلى صهيون (الأرض – العاصمة)، ويحكم العالم فيسود العدل والرخاء.

ومع تزايد العلمنة في المجتمعات الأوروبية، وظهور الفكر المعادي لليهود وما نتج عنه من تهميش للجماعات اليهودية، تبلور مصطلح الصُّهيونية وتخلص من أبعاده الغيبية والدينية، وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول.

ثم أصبح مفهوم الصُّهيونية مفهومًا أساسيًّا في الخطاب السياسي الغربي عام 1841م، مع نجاح أوروبا في بلورة مشروعها الاستعماري في العالم العربي والإسلامي، والذي حقق أول نجاح حقيقي له في القضاء على مشروع محمد علي باشا الكبير في تحديث مصر وتفتيت الدولة العثمانية.

ومع تفاقم المسألة اليهودية التقت المسألة الشرقية بالمسألة اليهودية، وساد التصوُّر القائل بإمكان حل المسألتَيْن من خلال دمجهما؛ إذ تمت بلورة المفاهيم المرتبطة بالصُّهيونية وملامح المشروع الصُّهيوني بشكل كامل في الفترة بين منتصف القرن التاسع عشر ونهايته، أو في مطلع عقد الثمانينيات منه على وجه الدقة، على يد العديد من المفكـرين الغربيين كان بعضهم من غــير اليهـود، مثل اللورد شافتسبري ولورانس أوليفانت.

وقد لخص شافتسبري التعريف الغربي لمفهوم الصُّهيونية في عبارة "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، في كلمات تقترب كثيرًا من الشعار الصُّهيوني الشهير، وقد حاول أوليفانت أن يضع المشروع الصُّهيوني موضع التنفيذ.

ويذكر المفكر الإسلامي الدكتور مازن النجار أن الفكرة الصُّهيونية ليست جزءًا من العقيدة اليهودية؛ بل هي التجلي الامبريالي للرؤية المعرفية الإمبريالية والعلمانية الغربية الشاملة ويقول إن الصُّهيونية تنزع القداسة عن كل شيء، وتلغي أي تاريخ لفلسطين وشعبها خارج سياق التاريخ اليهودي، كما تختزل خصوصيات وثقافات الجماعات اليهودية في العالم من أجل اختلاق القومية اليهودية.

بيد أنه يجب التأكيد من جانب آخر على أن الصُّهيونية ليست مجرد تجسيد للامبريالية الغربية فحسب؛ وإنما هي- أيضًا- حركة استيطانية إحلالية تمت في كنف الامبريالية الغربية؛ وبدون ذلك، لم يكن ممكنًا وضع المشروع الصُّهيوني موضع التنفيذ.

فقد قامت الامبريالية الغربية بنقل كتلة بشرية من أوروبا إلى فلسطين لتحل محل سكانها الأصليين، كما فعلت في مناطق الاستيطان الأخرى. وهكذا، لا تاريخ للظاهرة الصُّهيونية مستقلاً عن الاستعمار الغربي، وبالإمكان فهم الفكرة الصُّهيونية بشكل أفضل لدى رؤيتها جزءًا من التجربة الاستعمارية الغربية.

ويمكن القول إن نفاذ الصُّهيونية إلى فلسطين يرجع إلى قوة الصُّهيونية العالمية، ولكن هذه الصُّهيونية العالمية لا تعمل وحدها في هذا الميدان؛ بل تعمل معها قوتان أخريان أكبر منها؛ وهما: قوة المصالح الاستعمارية، والتعصب الشديد ضد الإسلام.

فالدول الغربية التي تساعد الصُّهيونية العالمية لا تساعدها حبًّا لها؛ وإنما المسألة هنا خدمة للمصالح الاستعمارية وعداوة للإسلام، وهي تكتسب قوتها داخل هذه الدول عن طريق طابورها الخامس الذي يمثل وسيلة للضغط على هذه الدول.

وبشكل عام؛ فإن المشروعات الاستعمارية الغربية ذات الطابع الديني التي استهدفت فلسطين، ووفدت إلينا من الغرب، قد تعود إلى ما يقرب من ألف عام، عندما هبت رياح الحملة الصليبية الأولى على المشرق العربي والإسلامي في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي.

فقد كان المقصد الأساسي للحملات الصليبية التي وفدت إلى المشرق في الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين هو فلسطين، وتحديدًا بيت المقدس وأكنافه، ولكن هذه الحملات لم تكن في جوهرها تسعى إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

كانت هذه الحملات تهدف إلى إلحاق فلسطين بأوروبا وسيطرة الكنيسة الغربية على المقدسات المسيحية هناك، وذلك عن طريق رابط روحي من خلال المؤسسات الكنسية، وآخر جغرافي وسياسي يربط بين فلسطين وأوروبا، ممتد من شمال فلسطين ولبنان والأناضول وحتى شرق ووسط أوروبا والبلقان من خلال سلسلة من المدن والمستعمرات التي تمت إقامتها على طول الممر البري الذي سلكته جيوش الغزو الأوروبي المتجهة إلى فلسطين في تلك الفترة التاريخية.

إلا أن أول محاولة رصدت تاريخيًّا لتجميع اليهود في فلسطين كانت في العام 1530م؛ حيث حاول رجل المال اليهودي الإيطالي يوسف ناسي، الذي كان يُعتبر أغنى رجل في العالم في ذلك الحين، بناء مستوطنة لليهود الغربيين في فلسطين، لكي يفروا إليها من الاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له في أوروبا في ذلك الحين.

ثم جاءت أول محاولة من جانب حكومات أوروبا لتوطين اليهود في فلسطين في العام 1799م؛ عندما أصدر نابوليون بونابرت، إمبراطور فرنسا في ذلك الحين، بيانًا وعد فيه اليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، خلال حملته على الشام لضمان نيل دعم اليهود لحملته على المشرق العربي.

وفي العام 1849م، وجه السياسي البريطاني اليهودي بنيامين دزرائيلي خطابًا إلى رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الحين اللورد بالمرستون، للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، وهي نقطة تاريخية يعتبرها كثيرون الأولى على طريق اغتصاب فلسطين لصالح اليهود؛ حيث لم تكن دعوة نابليون بالجدية اللازمة بحسب البعض، كما أنه لم يكن يملك الأوراق السياسية أو العسكرية اللازمة لتنفيذها.

ولفهم طبيعة دعوة دزرائيلي، نعود إلى الوراء بضعة سنوات، فعندما أرسل محمد علي باشا والي مصر حملته الشهيرة إلى الشام، بقيادة ابنه ابراهيم باشا، خشيت بريطانيا أن تتوحد مصر مع بلاد الشام في دولة واحدة، لهذا ساهمت بريطانيا مع الدولة العثمانية في إفشال حملة ابراهيم باشا على بلاد الشام.

وبعد تدخل بريطانيا، أرسل اللورد بالمرستون في العام 1840م، مذكرة إلى سفيره في استانبول، شرح فيها الفوائد التي سوف يحصل عليها السلطان العثماني من تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين وقال بالمرستون في رسالته هذه:"إن عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين بدعوة من السلطان، وتحت حمايته، يشكل سدا في وجه مخططات شريرة يعدها محمد علي أو من يخلفه".

وفي مارس من ذلك العام، 1840م، وجه رجل المال البريطاني اليهودي البارون روتشيلد، خطابًا إلى بالمرستون قال فيه: "إن هزيمة محمد علي وحصر نفوذه في مصر ليسا كافيين؛ لأن هناك قوة جذب بين العرب، وهم يدركون أن عودة مجدهم القديم مرهون بإمكانيات اتصالهم واتحادهم".

وأضافت رسالة روتشيلد: "إننا لو نظرنا إلى خريطة هذه البقعة من الأرض، فسوف نجد أن فلسطين هي الجسر الذي يوصل بين مصر وبين العرب في آسيا، وكانت فلسطين دائما بوابة على الشرق، والحل الوحيد هو زرع قوة مختلفة على هذا الجسر في هذه البوابة، لتكون هذه القوة بمثابة حاجز يمنع الخطر العربي ويحول دونه، وإن الهجرة اليهودية إلى فلسطين تستطيع أن تقوم بهذا الدور.

وليست تلك خدمة لليهود يعودون بها إلى أرض الميعاد مصداقًا للعهد القديم، ولكنها أيضا خدمة للإمبراطورية البريطانية ومخططاتها، فليس مما يخدم الإمبراطورية أن تتكرر تجربة محمد علي، سواء بقيام دولة قوية في مصر، أو بقيام الاتصال بين مصر والعرب الآخرين".

وفي العام 1850م، كانت أولى خطوات المشروع الصهيوني في فلسطين؛ حيث وصلت أول بعثة من علماء الآثار اليهود إلى فلسطين، بتمويل من العائلات اليهودية الكبيرة في أوروبا والولايات المتحدة مثل عائلة روتشيلد في بريطانيا، وعائلة روكفلر الأمريكية، بحثا عن أية أدلة تاريخية أو آثار تثبت مزاعم اليهود حول تاريخهم في فلسطين.

وفي العام 1855م استطاع موسى مونتفيوري، وهو أحد اليهود المقربين من البلاط العثماني في ذلك الحين، إقناع السلطان العثماني، السلطان عبد المجيد في ذلك الحين، بشراء بعض الأراضي في فلسطين؛ حيث تم بناء أول ثلاثة مستوطنات يهودية في فلسطين عليها، وهي "عتسيون" في القدس الشريف، و"زخرون يعقوب" جنوب حيفا على ساحل البحر المتوسط، و"روش بينا" شمال فلسطين.

وفي العام 1860م، وجه دزرائيلي، الذي تولى بعد ذلك بعامين منصب رئاسة الوزارة في بريطانيا، نداء ليهود العالم للهجرة إلى فلسطين، وبدأت أوروبا منذ ذلك الحين تشهد بدايات تشكيل الحركة الصهيونية في أوروبا، التي أصبحت الحركة الصهيونية العالمية فيما بعد، وكانت أهم هذه البدايات تكوين مجموعة "عشاق صهيون" في العام 1880م.

وفي العام 1870م أنشأت جمعية الأليانس اليهودية مستوطنة "بكفياه إسرائيل"، على مساحة من الأرض قدرت بحوالي 2600 دونم، استأجرتها الجمعية من الحكومة العثمانية لمدة 99 سنة من أراضي قرية يازور القريبة من مدينة يافا الساحلية، باسم وزير العدل الفرنسي اليهودي كريمو شاولنرنتر.

وبعد ذلك بعدة أعوام، وبعد أربعة أعوام من احتلال بريطانيا لمصر في العام 1882م، وفي العام 1886م، بدأ المهاجرون اليهود الأوائل الذين هبطوا على ساحل فلسطين المتوسطي في إنشاء مستوطنة "بتاح تكفاه"، على ساحل "مرج ابن عامر" على البحر المتوسط، والتي أنشئت عليها فيما بعد مدينة تل أبيب، عاصمة الكيان الصهيوني، وفي ذات التوقيت تقريبا، وضع زعيم الحركة الصهيونية في أوروبا في ذلك الحين، تيودور هرتزل، كتابه "الدولة اليهودية"، واقترح فيه حلا للمشكلة اليهودية في أوروبا، يقضي بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفي الفترة ما بين 27 إلى 29 أغسطس من العام 1897م، انعقد المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في مدينة بازل السويسرية، بقيادة هرتزل؛ حيث أعلن عن تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، وتزعمها هيرتزل..

وفي اليوم الثاني لانعقاد مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897م، صدر قرار يعرف الصهيونية بأنها "حركة ترمي إلى إنشاء وطن للشعب اليهودي شرعي معترف به في أرض فلسطين"، ورأى المؤتمر أن الوسائل الصالحة لتحقيق هذا الغرض هي:

1.ترقية اليهود المقيمين بفلسطين في أعمالهم الزراعية والصناهية والتجارية.

2.تأليف اليهود في جميع البلدان جماعات محلية أو جماعات عامة على حسب القوانين المرعية في تلك البلدان.

3.تقوية الوعي اليهودي حيث كان.

4.اتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على السند الضروري الحكومات.

التقى هيرتزل في العام 1902م، وزير المستعمرات البريطاني في ذلك الحين، جوزيف تشمبرلاين، وأكد له على ذات المبدأ الذي طرحه روتشيلد على بالمرستون، بشأن ضرورة وجود قاعدة قوية لليهود في فلسطين، لتؤمن المصالح البريطانية.

وفي العام 1906م قرر برلمان الحركة الصهيونية رسميًّا أن يكون الوطن القومي لليهود في فلسطين، وقد التقت دعاوى هيرتزل والحركة الصهيونية العالمية في ذلك الوقت مع مصالح الاستعمار الغربي في العالم العربي والإسلامي، بضرورة وجود هذا الكيان السياسي الغريب والقوي في فلسطين، يكون رأس حربة للاستعمار الغربي في المنطقة، ويعمل على عزل شطري الأمة جغرافيًّا وسياسيًّا.

ففي لندن، عقد مؤتمر سري خلال الفترة من العام 1905م وحتى العام 1907م، بدعوة من حزب المحافظين البريطاني الحاكم في ذلك الحين، واشتركت فيه مجموعة من كبار علماء التاريخ والاجتماع والجغرافيا والزراعة والبترول والاقتصاد، وناقش سبل تحقيق المصالح الغربية والهيمنة على العالم العربي والإسلامي.

ورفع المؤتمر توصياته إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، كامبل بنرمان، أكد فيها على ضرورة "إقامة حاجز بشري قوي وغريب في منطقة شرقي البحر المتوسط، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها"، بحسب بعض الوثائق التاريخية التي ظهرت عن هذا المؤتمر.

وفي العام 1907م، تأسست أول منظمة عسكرية صهيونية في فلسطين، وهي منظمة "بارجيورا"، وكانت سرية الطابع، وتأسست على يد كل من إسحاق بن تسفي وإسرائيل شوحاط، وكان شعارها "بالدم سقطت يهوذا، وبالدم ستقوم يهوذا" وقد أخذت اسمها من اسم "شيمون بارجيورا" الذي قاد التمرد اليهودي الأول ضد الرومان في فلسطين ما بين عامي 66 م70م، وكانت المهمة الرئيسية للمنظمة حماية المستوطنات الصهيونية في "الجليل" كما عملت على خلق قوة مسلحة يهودية في فلسطين واستمرت في العمل إلى العام 1909م عندما تطورت إلى منظمة "هاشومير" أو "الحارس" بالعبرية.

وفي العام 1916م، عقد تفاهم سري بين فرنسا وبريطانيا، وصادقت عليه روسيا، عرف فيما بعد باسم اتفاقية "سايكس- بيكو"، تم بمقتضاه اقتسام الجزء الشمالي من المشرق العربي الذي يضم العراق وسوريا وبلاد الشام، بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ هناك بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وكان من المفترض أن توضع فلسطين، بموجب هذه الاتفاقية، تحت إشراف دولي، عدا صحراء النقب.

وفي الثاني من نوفمبر من العام 1917م، أصدر وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور وعده الشهير بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وذلك في رسالة بعث بها إلى رجل المال اليهودي الأشهر البارون ليونيب وولتر دي روتشيلد، لتنتقل مخططات اغتصاب فلسطين لصالح اليهود إلى مرحلة أخرى جديدة، وهي مرحلة الانتداب البريطاني.

وعموما، فإنه فخلال الفترة ما بين العام 1870م، وحتى العام 1914م امتلك اليهود 420 ألف و600 دونم من أرض فلسطين، لإقامة كيبوتصات زراعية ومستوطنات سكنية فوقها للمهاجرين اليهود.