أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  دراسات :   المخاطر التي تتهدد المسجد الأقصى المبارك.. دراسة تاريخية تأسيسية   (10/3/2014)


أبرز أفكار الدراسة:

1. مدخل يتناول الغرض من الدراسة، ومحتوياتها، ومن بينها ما يتعلق بالتحولات النوعية التي مرت بها قضية تهويد القدس في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

2. تاريخ مشروعات التهويد في مرحلة الانتداب البريطاني.

3. التهويد في مرحلة ما بعد حرب يونيو 1967م، ومساراته الأربع في القدس الشرقية والبلدة القديمة.

4. التهويد في عهد حكومة نتنياهو، مثل عمليات بناء الكنس والمستوطنات وتهجير الفلسطينيين وهدم منازلهم والاستيلاء على أراضيهم، وغير ذلك.

5. توصيات في شأن كيفية التعامل مع هذه القضية.

مدخل..؛؛

بالرغم من أن إسرائيل قد بدأت قبل عقود طويلة، في إجراءات تهويد مدينة القدس الشريف المحتلة، إلا أن العام ونيفا الذي مضى على تولي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، شهد من التحولات النوعية في إجراءات تهويد المدينة المقدسة، ما لم تشهده العقود الأربع ونصف التي تلت احتلال القدس الشرقية؛ حيث يمكن القول بالفعل إن "الأقصى في خطر" ولا مراء، وليس في ذلك أدنى قدر من المبالغة.

وفي هذه الورقة نحاول أن نرسم بعض من ملامح الصورة الحالية للوضع القائم في المدينة المقدسة وخصوصا حول المسجد الأقصى وبواباته، ولكن قبل عرض حقائق الصورة المخيفة التي تواجه القدس في الوقت الراهن، والمخاطر التي تتهدد الأقصى، تجب الإشارة إلى أن ما يعرف في الوقت الراهن بتهويد القدس لم يبدأ منذ احتلال إسرائيل للشطر الشرقي للمدينة المقدسة في حرب يونيو من العام 1967م، وإنما من قبل ذلك بكثير، حتى من قبل نكبة إعلان قيام الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين في مايو من العام 1948م.

فمن خلال ما ورد في وثائق القضية الفلسطينية القديمة، فإن عملية تهويد القدس، واستهداف المسجد الأقصى، بدأت منذ مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين كما سوف نعرض.

*.*.*.*.*

أولا: نبذة تاريخية..؛؛

البدايات الأولى لعمليات التهويد جاءت في أعقاب دخول الجنرال البريطاني إدموند هنري أللنبي إلى فلسطين في أواخر الحرب العالمية الأولى في العام 1918م؛ حيث قام المهندس ماكلين، مهندس مدينة الإسكندرية، بوضع الخطة الهيكلية الأولى لمدينة القدس الغربية، وكذلك المقاييس والمواصفات والقيود المتعلقة بالبناء والتطور العمراني في المدينة المقدسة بأكملها.

وقسمت الخطة الهيكلية المدينة إلى أربعة مناطق، وهي: البلدة القديمة وأسوارها، والمناطق المحيطة بالبلدة القديمة، والقدس الشرقية، والقدس الغربية؛ واعتبرت تلك المخططات بمثابة العمود الفقري لكافة الخطط اللاحقة لتهويد المدينة.

وبناء على نص الخطة، فقد تم منع البناء منعا باتا في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، ووضعت قيودا على البناء في القدس الشرقية، وأعلنت القدس الغربية كمنطقة تطوير.

وفي عهد المندوب السامي البريطاني الأول في فلسطين، هربرت صموئيل، وهو يهودي، ومن كبار المتعصبين للمشروع الصهيوني في فلسطين، مثل التاج البريطاني في فلسطين في السنوات ما بين العام 1920م إلى العام 1925م، أخذت القدس تشهد سمات التحول ومعالم التهويد الأولى البارزة.

وابتدأت معالم التهويد تظهر بشكل فعلي وعلى أرض الواقع مع بناء أولى المستوطنات على هضاب القدس، فبنيت مستوطنة روميما عام 1921م، ثم لحقت بها مستوطنة تل بيوت في العام 1922م، ثم بيت هاكيرم 1923م، وميخور حاييم، وميخور باروخ، ورحافيا، وكريات موشيه، ونحلات آحيم في العام 1924م، ثم بيت واجن، ومحانايم، وسنهادريا عام 1925م، وكريات شموئيل 1928م، ونحيلا، وكيرم أفراهام 1929م، وأرنون، وتل إرزه 1931م، حتى أصبح عددها ستة عشرة مستوطنة وضاحية وحيا يهوديا عام 1948م.

وكان من بينها 11 في عهد هربرت صموئيل وحده، وهو ما يعني أن معظم ما بني في عهد الانتداب البريطاني في القدس، قد بني في عهد المندوب السامي الأول.

وشهدت فترة الانتداب البريطاني على فلسطين والقدس تدفق رؤوس الأموال اليهودية وخاصة مع المهاجرين الذين جاءوا من ألمانيا وبولندا، واللذين كانوا في معظمهم من الطبقة المتوسطة، الذين باعوا أملاكهم وصفوا أعمالهم، وانتقلوا مع رؤوس أموالهم إلى فلسطين، وقدر مجموع الأموال التي وظفها اليهود في فلسطين، خلال السنوات من 1932م وحتى العام 1935م، بنحو 31 مليون ليرة فلسطينية، مقابل 20 مليونا تم توظيفها خلال السنوات العشر من العام 1921م وحتى العام 1931م.

وإلى جانب ذلك تدفقت رؤوس الأموال الأمريكية والغربية إلى فلسطين، لاستثمارها في مشاريع إقامة "الوطن القومي اليهودي"، حصلت القدس منها على نصيب وافر منها، بحيث أخذ ينتقل إليها، أو يقام فيها تدريجيا، عدد كبير من المؤسسات الصهيونية واليهودية، لجعلها مركزا سياسيا وإداريا وتعليميا لليهود، فأصبحت مقرا للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، والوكالة اليهودية، والصندوق التأسيسي، والصندوق القومي اليهودي، والمجلس الوطني لليشوف [مجتمع اليهود في فلسطين أيام الهجرات الأولى]، والحاخامية الرئيسية.

ولم يتوقف الدور البريطاني عند هذه الحد؛ حيث افتتح وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور عام 1925م الجامعة العبرية في القدس، والتي وضع حجر الأساس لها حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية، بحضور الجنرال أللنبي في 24 يوليو 1918م، أي قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى ببضعة أشهر.

ولعبت السلطات الانتدابية دورا كبيرا في تقييد التوسع الفلسطيني في القدس؛ حيث  قامت بوضع مخططات تنظيمية عدة للمدينة، وذلك في الأعوام 1919م و1922م و1929م و1930م و1946م، راعت إلى حد كبير خارطة الاستيطان اليهودي في المدينة القائمة والمستقبلية، يضاف إلى ذلك طبيعة الموقع المتفاوت طبوغرافيا، والذي تحكم في هذا التوسع، فمن جهة الغرب، التي طالها التوسع أكثر من بقية الأجزاء الشرقية، توفرت التربة الخصبة، والأمطار والمياه، والانحدار التدريجي باتجاه اللد والرملة، والسهول الساحلية.

وذلك على النقيض من المنحدرات الشرقية شديدة الانحدار، وفقيرة التربة. وقد أدى ذلك إلى أن تتوسع حدود بلدية القدس عدة مرات، فقد وصلت مساحتها عام 1930م إلى 17 ضعفا من مساحة البلدة القديمة، أو ما يقارب 4800 دونما، ارتفعت عام 1948 إلى 20131 دونما.

وساهم الانتداب البريطاني إلى حد كبير في زيادة عدد المهجرين اليهود إلى فلسطين والقدس خاصة؛ حيث قفز عدد الذين وصلوا من 1806 مهاجرا عام 1919م إلى 8223 عام 1920م، و13.892 عام 1924م، و34.386 عاما 1925م، و37.337 عام 1933م، و66.422 عام 1935م و22.098 عام 1947م.

وساهم ذلك في تعزيز الجالية اليهودية في القدس بشكل كبير، وقلب الميزان الديموغرافي على النحو التالي: كانت نسبة الذين استوطنوا القدس من هؤلاء على النحو التالي: 40.7% عام 1922م؛ 30.8% عام 1930م، و16.7% عام 1946م، و11.6% عام 1948م.

إلا أن العرب من مسلمين ومسيحيين استمروا يشكلون أغلبية، وإن كانت متناقصة، في لواء القدس، كوحدة تشمل القرى والبلدات المحيطة بالمدينة؛ حيث بلغ عدد سكان ديار بيت المقدس عام 1945 295.230 منهم 142،829 مسلمون، و52.600 مسيحيون، و100.200 يهود، أي بنسبة 34%.

واستمرت الأغلبية العربية في التناقص في المدينة المقدسة، حتى استطاع اليهود سفارديم وأشكنازيم، أن يصبحوا أغلبية داخل حدود البلدية في العام 1947؛ حيث وصل عددهم إلى 99.4 ألف يهودي، في مقابل 65.1 ألف عربي، في حين بلغ عدد العرب في البلدة القديمة 33.600 ألف يملكون 85% من عقاراتها، بينما كان اليهود 2400 فقط.

وقد راجع المؤرخ البريطاني مايكل دمبر، الأدبيات الديموغرافية لفترة الانتداب، وتوصل إلى تفسيرين لهذا التمايز في نسب السكان:

- الأول: اعتادت الإحصاءات الانتدابية احتساب المهاجرين الذين وصولوا إلى القدس قبل عام  1946م، ثم انتقلوا بعدها إلى تل أبيب ومناطق أخرى، كأنهم باقون في القدس.

- الثاني: أن تلك الإحصاءات استثنت السكان العرب للأرياف المحيطة بالقدس، الذين يعملون في المدينة، مثل العاملين في المدينة من سكان قريتي لفتا ودير ياسين، بينما احتسبت في الوقت ذاته السكان اليهود الذين يسكنون خارج البلدية، على أنهم من سكان المدينة، مثل سكان بيت فيجان ورامات راحيل وميخور حاييم، وهي عملية التفافية مشوهة يسميها دامبر بـ"الاحصاء الديموجرافي الهيكلي" (Demography Gerrymandering)، أي تقسيم منطقة إلى وحدات لمصلحة جماعة معينة.

وعلى الرغم من هذه التقديرات البريطانية، فإن العرب كانوا يملكون داخل حدود بلدية القدس عام 1947، ما مجموعه 11.191 دونما من أصل 19.326 (منها 3305 دونمات أراضي دولة)، في حين يملك اليهود 4830، أي أن العرب كانوا يملكون ثلاثة أضعاف الأرض.

ووفق إحصاءات 1945م، فإن لواء القدس كان يغطي مساحة 1.57 مليون دونم، منها 88.4% كان يملكها عرب، و2.1% يملكها يهود، و9.5% أرض عامة.

 

وأثارت الأرقام المتصاعدة للمهاجرين اليهود إلى فلسطين، والسياسة البريطانية التي سهلت إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، مخاوف الشعب العربي الفلسطيني وقياداته في فلسطين، إذ تبين لهم أن هذه الهجرة ستجعل من العرب الفلسطينيين أقلية في بلادهم خلال فترة وجيزة، فقام الشعب الفلسطيني بعدد من الانتفاضات والثورات ضد سياسة الهجرة واستملاك الأراضي، والبنود التي تضمنها صك الانتداب عن "الوطن القومي اليهودي"، وكذلك القوانين والأوامر البريطانية بخصوص استملاك الأراضي.

وكان من أبرز هذه الثورات والانتفاضات ما وقع منها في العام 1920م، وثورة البراق في العام 1929م، وفي العام 1933م ثم الثورة العربية الكبرى في الفترة ما بين العامين 1936 و1936م؛ حيث كانت القدس مركزها جميعا أو- على الأقل- الشرارة التي انطلقت منها، وكان السبب المباشر لثورتي 1920م و1929م، هو النزاعات بين اليهود والمسلمين حول الأماكن المقدسة في القدس.

وفي تلك الأثناء سعى اليهود بشكل تدريجي للسيطرة على مجلس بلدية القدس، التي اكتسبت طابعا سياسيا في عهد الانتداب البريطاني خاصة بعد التسهيلات التي آمنها لهم البريطانيون منذ احتلال المدينة، ولم تختلف الممارسات البريطانية تجاه القدس عن ممارساتها تجاه القضية الفلسطينية ككل، فقد تميزت في معظمها بتسهيل سيطرة اليهود على المدن الفلسطينية بشكل عام وعلى القدس بشكل خاص.

ومن أجل تحقيق ذلك تلاعبت الإدارة البريطانية بحدود المسطح البلدي في المدينة المقدسة، وبقوائم الناخبين، بحيث كانت تستثني الأحياء العربية منها، مثل الطور وسلوان والعيسوية وشعفاط وبيت صفافا، بينما كانت الأحياء اليهودية مهما بعدت تدخل في مسطح البلدية.

وأقدمت السلطات البريطانية في بداية عهد الإدارة العسكرية لفلسطين- في أواخر العام 1917م، وحتى العام 1920م- على حل المجلس البلدي للقدس، وتعيين لجنة لإدارة البلدية، أسندت رئاستها لعضو مسلم، ينوب عنه عضوان من الطائفتين المسيحية واليهودية.

وفي أبريل من العام 1926م، وضعت السلطات البريطانية قانون الانتخابات الذي أتاح، خلافا للقانون العثماني، حق الانتخاب لدافعي الضرائب حتى وإن لم يكونوا من أصحاب الأملاك بل مستأجرين فقط، كما نص هذا القانون على أن الناخب يجب أن يكون مواطنا فلسطينيا بدلا من "مواطن عثماني".

وتكون المجلس البلدي بعد العام 1927م، من اثني عشر عضوا، نصفهم فقط من العرب، أربعة مسلمين ومسيحيان، والنصف الآخر من اليهود، وكان ذلك نتيجة للتعديلات التي طرأت على قانون الانتخابات، والذي فتح الباب واسعا أمام المهاجرين اليهود ليدخلوا تلك الانتخابات، إلا أن رئاسة البلدية بقيت في يد مسلم، وكان وقتها حسين الخالدي.

ثم تم تعيين موشيه شرتوك اليهودي نائبا أول لرئيس البلدية بناء على اتفاق مع المندوب السامي، ثم بدأت محاولات اليهود للمطالبة برئاسة البلدية، وبعد فشل الاقتراح الذي تقدمت به السلطات البريطانية باتباع نظام التناوب على رئاسة بلدية القدس، بسبب معارضته فلسطينيا، تم إبعاد رئيس البلدية حسين الخالدي، ونفيه إلى جزر سيشيل في المحيط الهندي، لكونه عضوا في اللجنة العربية العليا.

ثم قام الإنجليز بحل المجلس في 11 يوليو من العام 1945م، وتعيين لجنة بلدية من ستة موظفين بريطانيين، وبقى الأمر كذلك حتى نهاية فترة الانتداب البريطاني على فلسطين في 14 مايو 1948م.

وحتى قبل النهاية المحددة للانتداب، عمدت عصابات الهاجاناه الصهيونية على احتلال كل منطقة القدس، ولم يحبط هذا المخطط إلا في اللحظة الأخيرة عبر المقاومة الفلسطينية؛ حيث بقيت البلدة القديمة والقدس الشرقية في قبضة العرب في حرب 1948م.

وتحققت السيطرة اليهودية الراهنة على القدس الغربية وما يسمى بـ"الممر" الذي يصلها بالساحل، عبر الاحتلال العسكري خرقا لقرار التقسيم الصادر في العام 1947م، والذي نص على بقاء القدس مدينة موحدة، لذلك فإن الأمم المتحدة لم تعترف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الغربية لا تصريحا ولا تعريضا، وإنما عارضتها، كذلك فإن المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة، لم يعترف إلى الآن، بصورة واضحة، بالسيادة الإسرائيلية على القدس بما فيها القدس الغربية.

*.*.*.*.*

ثانيا: مسارات التهويد بعد حرب يونيو 1967م..؛؛

شهدت المرحلة الأولى لسقوط مدينة القدس جزئيا في قبضة الاحتلال الإسرائيلي في العام 1948م، البدايات الأولى لجملة من القضايا المتعلقة بالقدس، والتي ما زالت معلقة حتى الآن، يأتي في مقدمتها، تهجير السكان الفلسطينيين من القدس، والسيطرة على أراضيهم وقراهم، ونقل ملكيتها إلى مؤسسات الاستيطان اليهودي.

وتكرست هذه الجهود في مرحلة ما بعد الاحتلال الكامل الإسرائيلي للمدينة المقدسة، في حرب يونيو من العام 1967م، بفعل مشاريع التهويد التي تم تنفيذها وتلك الجاري تنفيذها على الأرض، لحسم هوية مدينة القدس الدينية والثقافية، كـ"عاصمة مقدسة وموحدة للشعب اليهودي"، وذلك كجزء من مشروعه لفرض حدود دولته النهائية وتثبيتها من طرف واحد، والذي بدأه رئيس وزراء الاحتلال الهالك إرييل شارون مع مطلع الألفية الجديدة.

وتحويل مدينة القدس إلى "عاصمة يهودية" يعني بطبيعة الحال تهويد قلبها المتمثل بالمسجد الأقصى والبلدة القديمة، واستبدال معالمه ومقدساته الإسلامية والمسيحية، بمعالم ومقدسات يهودية، والمحتل يعمل على تحقيق ذلك اليوم من خلال أربع مسارات عمل، وهي:

 

1. خلق مدينة يهودية مقدسة موازية للبلدة القديمة بمقدساتها الإسلامية والمسيحية، ومشتركة معها في المركز ذاته:

وقد قطع المحتل شوطا كبيرا في إنشاء هذه المدينة حتى الآن، فقد افتتح بالفعل حوالي 15 موقعا أمام الزوار، ولا زالت عمليات البناء والحفر مستمرة في أكثر من 10 مواقع أخرى، كما أقرت الحكومة الإسرائيلية لمخطط تبلغ قيمته حوالي 600 مليون شيكل (145 مليون دولار) "لإعادة إعمار أبواب البلدة القديمة وأهم مواقعها الأثرية"، وسيتضمن هذا المشروع تغيير الطراز المعماري للأبواب والمواقع المستهدفة حتى يصبح أقرب للتخيل اليهودي منه إلى الطراز الإسلامي.

وكان أهم المشروعات التي دشتنها إسرائيل أسفل المسجد الأقصى، ذلك الذي افتتحته سلطة الآثار الإسرائيلية في 22 سبتمبر من العام 2005م، بعد عشر سنوات من الحفر تحت الأقصى، تحت اسم "سلسلة الأجيال"، ويمتد هذا المشروع تحت حائط البراق كاملا وامتداده الجنوبي، وكانت هي المرة الأولى في التاريخ التي تشرف فيها سلطات رسمية إسرائيلية على الحفريات تحت المسجد الأقصى.

وفي 13 مارس من العام 2006م، وبعد ثلاث سنوات من العمل، قام مسئولون إسرائيليون، بحضور رئيس الدولة العبرية آنذاك موشيه كاتساف بافتتاح قاعة جديدة للصلاة اليهودية في ساحة البراق تحت مبنى المحكمة الإسلامية.

وقد أدت أعمال الحفريات أسفل الحرم القدسي الشريف إلى حدوث العديد من الانهيارات وظهور مشكلات في جدران الحرم والمقدسات الإسلامية الموجودة حوله، ومن بينها:

- في 15 فيراير 2004م: إنهار جزء من الطريق المؤدي إلى باب المغاربة في سور المسجد الأقصى تحت وطأة الحفريات، ونتيجة لاستمرار منع أعمال الترميم في الآثار الإسلامية في القدس من جانب إسرائيل.

 

- في 18 نوفمبر 2005م: هيئة الآثار الإسرائيلية تعترف بأن مسافة طولها 380 مترا في الجدار الشرقي للمسجد الأقصى آيلة للسقوط بمحاذاة الدرج المؤدي إلى المصلى المرواني، وتطلب ترميمها فورا.

- في 15 ديسمبر 2006م: مصادر في حركة السلام الإسرائيلية تحذر من انهيار طريق المغاربة الذي تمنع إسرائيل ترميمه.

-  في 19 ديسمبر 2006م: مؤسسة الأقصى تكشف عن تشققات في الجدار الجنوبي للمسجد الأقصى من جانبي المدرسة الخثنية.

- في 6 فبراير 2007م: القوات الإسرائيلية تبدأ في إزالة طريق باب المغاربة الذي منعت إسرائيل ترميمه حتى آل للانهيار.

2. المسار الثاني: تحقيق وجود يهودي دائم ومباشر في المسجد الأقصى ومحيطه:

وذلك من خلال الاقتحامات المتكررة لمجموعات المتطرفين والتي تهدف إلى "تثبيت حق اليهود بالصلاة في جبل الهيكل"، وإلى نزع صفة "الحصرية الإسلامية" عن المسجد، وتحويله إلى منطقة مفتوحة أمام اليهود والسياح الأجانب.

وبذلك يكون المسجد وإن بقيت أبنيته قائمة أشبه بالمتحف منه بالمسجد الإسلامي، وأيضا من خلال الكنس المقامة على أسوار المسجد، ككنيس الخراب وكنيس المدرسة التنكزية، وأسفل منه، كقنطرة ويلسون، وفي محيطه ككنيسي خيمة إسحاق وهوفير، والتي تسهل عمليات اقتحام المسجد، وتوفر غطاء لأعمال الحفريات، وتضفي أيضا الطابع اليهودي على البلدة القديمة، خصوصا وأن اثنين من هذه الكنس من أكبر الأبنية الموجودة في البلدة، ويغطيان مشهد المسجد الأقصى القبلي وقبة الصخرة من الجهة الغربية.

3. المسار الثالث: تفريغ الأحياء الفلسطينية المحيطة بالمسجد الأقصى من سكانها، والحد من قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى المسجد الأقصى والبلدة القديمة:

ويسعى الاحتلال إلى تحقيق ذلك من خلال منع البناء في الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة، وهدم المباني القائمة فيها بحجة أنها مقامة من دون ترخيص على أراض عامة،  وأيضا من خلال تشديد الإجراءات الأمنية في البلدة القديمة ومحيطها، حتى على المصلين الآتين من الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948م.

4. المسار الرابع: الترويج لمدينة القدس كمدينة يهودية:

وذلك من خلال تنظيم الجولات السياحية في المدينة، وفق مسار يتجاهل المقدسات الإسلامية، ويحاول الربط بين الآثار والمقدسات المسيحية والمدينة اليهودية التاريخية، ويصور الوجود الإسلامي في المدينة كوجود طارئ ومنفصل عن الوجود المسيحي واليهودي فيها، وأيضا من خلال إقامة مهرجانات واحتفالات بالمناسبات والأعياد اليهودية الدينية والقومية على مدار العام.

وقد أعلن روبن فينسكي مدير قسم تطوير البلدة القديمة في بلدية الاحتلال في القدس في 7 مارس 2009م، عن سعي البلدية لـ"إقامة المهرجانات طوال أيام السنة من أجل وصول السياح، في أوقات مختلفة لا تقتصر على مواسم مفضلة، تمتد خلال شهري يوليو وأغسطس والأعياد اليهودية والإسرائيلية، وتتضمن المخططات في السنوات القادمة استثمارات بثمانية ملايين شيكل (حوالي 2 مليون دولار) للترويج للمدينة سياحيا على مدار العام.

*.*.*.*.*

ثالثا: التهويد في عهد نتنياهو..؛؛

فيما يلي رصد لأبرز المحطات التي مرت بها قضية تهويد القدس في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنتيامين نتنياهو، منذ حصول حكومته الأولى على ثقة الكنيست في 31 مارس 2009م:

على مستوى المواقف السياسية:

 

- في خطاب توليه أمام الكنيست الإسرائيلي، أكد على مواقف أسلافه في رئاسة الحكومة الإسرائيلية في شأن القدس من أنها "العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل".

- في 21 مايو 2009م، وخلال احتفاله بما يعرف إسرائيليا بـ"يوم القدس"، وهي ذكرى احتلال القدس الشرقية في حرب يونيو من العام 1967، قال نتنياهو: "القدس الموحدة هي عاصمة إسرائيل.. كانت القدس وستبقى لنا، ولن يتم تقسيمها أو تفكيك وحدتها مرة أخرى".

وقد أكد نتنياهو على مواقفه هذه في أكثر من موضع، وكان أحدثها، في مارس 2010م، خلال زيارته للولايات المتحدة؛ حيث أكد في الرابع والعشرين منه، أمام ممثلي اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، على أن "القدس ليست مستوطنة.. إنها عاصمتنا".

وفي 23 أبريل 2010م، وقبيل زيارة المبعوث الرئاسي الأمريكي للشرق الأوسط، السيناتور جورج ميتشل، قال نتنياهو في مقابلة مع القناة الثانية في التليفزيون الإسرائيلي: "سياستنا في القدس لن تتغير.. إنها ليست سياستي فقط، إنها سياسة كل أسلافي منذ 1967م"، وأضاف: "لن يكون هناك تجميد للبناء في القدس، ولماذا أضطر للاستسلام فيما يخص القدس".

ثانيا: على مستوى بناء المستوطنات:

 خلال العام 2009م الماضي أقرت الحكومة الإسرائيلية بناء 12 ألف وحدة سكنية جديدة في المستوطنات الواقعة في القدس الشرقية، كان أهمها التوسعة التي أعلن عنها في أغسطس 2009م، ببناء 104 وحدة سكنية جديدة في مستوطنة "معاليه ديفيد" في حي رأس العمود، شرقي القدس، على مرحلتين، بالإضافة إلى مسبح وناد ريفي وساحة لانتظار السيارات، مع مشروع لبناء جسر للمشاة بين هذه المستوطنة ومستوطنة "معاليه زيتيم"، لتصبحان، بعد ربطهما بالجسر، أكبر تجمع استيطاني لليهود في القدس الشرقية المحتلة؛ حيث سيضمان ألف مستوطن، مقابل 14 ألف عربي يسكنان رأس العمود.

وفي الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي ذكرت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي أن وزارة الإسكان الإسرائيلية دعت المقاولين لتقديم عطاءات لبناء 692 وحدة سكنية جديدة في ثلاث مستوطنات كبرى في القدس الشرقية المحتلة، موزعة على النحو التالي:

198 وحدة سكنية في مستوطنة بسجات زئيف.

377 وحدة في نافي يعقوب.

117 وحدة في هارحوما.

وفي 11 مارس 2010م، وقبيل دقائق من لقاء نتنياهو مع نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن الذي كان يزور إسرائيل في حينه، أعلنت لجنة التنظيم والبناء اللوائية في منطقة القدس، التابعة لوزارة الداخلية الإسرائيلية، أنها قررت إيداع مشروع لبناء 1600 وحدة استيطانية جديدة في المنطقة الشمالية من القدس الشرقية المحتلة، وهو ما أثار أزمة بين واشنطن وتل أبيب باعتبار أن ذلك مثل إحراجا لبايدن، بحسب بيان للخارجية الأمريكية في حينه.

وقد أثار ذلك أزمة مع الولايات المتحدة، لم تلبث أن تراجعت بعد اعتذار نتنياهو عن ذلك الموقف، وإعلانه تشكيل لجنة للتحقيق في توقيت الإعلان عن المشروع الاستيطاني الجديد في وقت زيارة بايدن.

ولم يكن ذلك هو "الاستفزاز" الأول من نوعه لواشنطن؛ فقبل ذلك بأربعة أيام، وخلال جولة المبعوث الرئاسي الأمريكي للشرق الأوسط السيناتور جورج ميتشيل، قررت بلدية القدس بناء 112 وحدة سكنية في موقع آخر من المدينة.

وترجح تقديرات لمؤسسة القدس الدولية، في تقرير حديث لها صدر في مارس الماضي، يبدأ الاحتلال ببناء عدد مماثل لما تم بناؤه من مستوطنات في العام 2009م، خلال العام الحالي، بعد أن استثنت الحكومة الإسرائيلية القدس الشرقية من قرار اتخذته في نوفمبر 2009م الماضي، بتجميد البناء في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، بشكل مؤقت لمدة 10 أشهر.

ويوجد حاليا في القدس الشرقية المحتلة وضواحيها 15 مستوطنة، تضم حوالي 200 ألف مستوطن يهودي، مقابل 270 ألف فلسطيني، بحسب إحصائية ذكرتها وكالة الأنباء الفرنسية.

الطريف أن بعض هذه المستوطنات يبنى بأموال الفلسطينيين المسروقة، ففي الرابع والعشرين من فبراير 2010م، كشفت صحيفة "ذي ناشونال" التي تصدر في أبو ظبي باللغة الإنجليزية، عن تقرير شارك في إعداده خبير اقتصاد إسرائيلي وجماعتان حقوقيتان إسرائيليتان، عن أن إسرائيل سرقت حوالي 2.2 مليار دولار من العمال الفلسطينيين على شكل اقتطاعات شهرية من رواتبهم تحت مسمى "رعاية طبية" لا تقدمها لهم، وذلك منذ العام 1970م، واستخدمت هذه الأموال في بناء المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، ومن بينها مستوطنات القدس.

وبحسب تقرير حديث للكاتب الفلسطيني عبد الله الحسن، الباحث في مؤسسة القدس الدولية، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أقرت مخططا يخدم حركة بناء المستوطنات في القدس الشرقية، وهو إقامة شبكة قطارات تصل بين كتلة "معاليه أدوميم" الاستيطانية شرقي القدس، وبين مركز المدينة في محيط البلدة القديمة.

ويمر هذا القطار الخفيف بمستوطنات جيلو وهارحوما وكتلة جوش عتصيون الاستيطانية في الجنوب، وذلك لتشجيع المستوطنين اليهود على الإقامة في هذه المستوطنات البعيدة عن مركز القدس التجاري والاقتصادي.

ثالثا: على مستوى الحفريات أسفل وحول الحرم القدسي:

بحسب إحصائيات مؤسسة القدس الدولية، فقد شهد العام 2009م وحده افتتاح أكثر من 5 مواقع جديدة للحفريات أسفل المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف وفي محيطه، ليصبح بذلك عدد مواقع الحفريات الواقعة أسفله أو المحيطة به أكثر من 25 موقعا.

 

وفي 21 أبريل الماضي، ذكرت وكالات الأنباء أن السلطات الإسرائيلية تخطط لحفر نفق بطول عدة كيلومترات، يبدأ من "بناية السبع" في شارع يافا غربي القدس، ويمتد حتى منطقة باب الخليل، إحدى بوابات القدس القديمة، مرورا بمقبرة مأمن الله الإسلامية.

وذكرت وكالات الأنباء في حينه أن مسار النفق سيلتف حول الجدارين الغربي والجنوبي للحرم القدسي الشريف، ثم يتجه شرقا إلى الساحة أمام الحائط الغربي للمسجد الأقصى، كما سيتم حفر جزء من نفق المترو أسفل المقبرة الأرمينية المقابلة لدير الأرمن باتجاه باب النبي داوود في منطقة باب الخليل.

ومن المقرر أن تنفذ المشروع شركة أمريكية، وقالت وكالات الأنباء إن الشركة الذي لم تذكر اسمها وصلت إلى مرحلة متقدمة في وضع التصاميم الهندسية الخاصة بالنفق، وتصميم عربات القطار.

رابعا: الاعتداءات على المقدسات الإسلامية في القدس:

خلال العام الذي قضته حكومة نتنياهو في الحكم، تضاعف عدد مرات اقتحامات المتطرفين اليهود وأجهزة الأمن الإسرائيلية للحرم القدسي الشريف عن العام الذي سبقه بأربعة أضعاف؛ حيث بلغت، بحسب إحصائيات مقدسية متطابقة، من بينها إحصائيات للحركة الإسلامية في الداخل، ما يقرب من 50 اقتحام، بعضها شهد محاولات لإقامة طقوس دينية يهودية داخل الحرم.

ومن هذه الاقتحامات الاقتحام الذي قام به وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي إسحق أهارونوفيتش، الذي يعتبر، بحسب الحسن، من الناحية الفعلية أرفع شخصية رسمية إسرائيلية تقتحم المسجد منذ احتلال القدس الشرقية في يونيو 1967م؛ حيث لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إرييل شارون، وقت اقتحامه للحرم في سبتمبر 2000م، يحمل صفة رسمية، وإنما كان زعيما لحزب الليكود الذي كان يقود المعارضة في ذلك الوقت.

ولم تقتصر هذه الاعتداءات على الحرم القدسي فحسب، بل شملت مقدسات إسلامية أخرى، ففي مطلع العام 2010م، منحت السلطات الإسرائيلية لمركز سيمون فيزنتال اليهودي الأمريكي، ترخيصا لبناء متحف يسمى بمتحف "التسامح" فوق أرض تابعة لمقبرة "مأمن الله" المعروفة باسم "ماميلا"، في مدينة القدس المحتلة، وهي منطقة أثرية تعود إلى القرن السابع الميلادي، تضم رفات عدد من الصحابة الكرام (رضوان الله عليهم جميعا)، وقبور شخصيات تاريخية إسلامية أخرى وأبناء عائلات مقدسية.

وبحسب رشيد الخالدي، أستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية بقسم التاريخ في جامعة كولومبيا في نيويورك، فقد أدى المشروع إلى نبش مئات من القبور والرفات البشرية والتخلص منها، وبات مكانها غير معروف حاليا.

وفي هذا الإطار أيضا شهد شهر مايو 2009م، قيام السلطات الإسرائيلية بعرض حجارة سرقتها أجهزة الاحتلال من مواقع قريبة من الجدار الجنوبي للمسجد الأقصى، في حديقة افتتحت في مبنى الكنيست الإسرائيلي، ومن بينها حجر كبير يزن خمسة أطنان، سرق من موقع قريب من الجهة الشرقية الجنوبية للمسجد، أسفل المصلى المرواني.

ووضع هذا الحجر في الساحة الأمامية للكنيست الإسرائيلي على منصة خاصة، وكتب على لوحة بقربه "حجر من الحرم القدسي"، وفي الشروح المرفقة ذكر أن هذا الحجر "من عهد الهيكل الثاني" المزعوم، وفق ما ذكرته مؤسسة الأقصى للوقف والتراث في حينه.

وفي ديسمبر 2009م، كشف الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 1948م، عن وجود مخطط إسرائيلي لهدم المصلى المرواني وتحويله إلى كنيس يهودي، وقال في حينه إن هذا  المخطط يعود تاريخه إلى 3 سنوات، ونشرت بعض الدوائر الإسرائيلية تفاصيله باسم "كيديم أورشليم" ومعناه "القدس أولا".

خامسا: تهجير المقدسيين:

ولتنفيذ هذه المخططات، وخصوصا الاستيطانية منها، عمدت حكومة نتنياهو إلى سياسة تهدف إلى تفريغ المدينة المحتلة من أهلها الأصليين؛ حيث سحبت السلطات الإسرائيلية هويات الإقامة من أكثر من أربعة آلاف مقدسي في عام واحد، وهو ما يعني فعليا طردهم من المدينة وحرمانهم من دخولها أو الإقامة فيها في المستقبل.

وفي مايو 2009، أي بعد أقل من شهرين من تولي نتنياهو لرئاسة الحكومة، أعلنت السلطات الإسرائيلية، عما وصف في حينه بأنه أكبر مشروع لهدم منازل المقدسيين بعد الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967م، ويشمل هدم 88 منزلا، وتهجير سكانها البالغين ألف وخمسمائة نسمة، في حي البستان جنوب الحرم القدسي، وتهجير مئات آخرين من حي الشيخ جراح شمال البلدة القديمة.

سادسا: عمليات بناء الكنس اليهودية:

يوجد في القدس حوالي 125 كنيسا يهوديا، وفي 15 مارس 2010م الماضي، افتتحت إسرائيل كنيسا جديدا هو الأكبر من نوعه، هو كنيس "الخراب"، قبالة مسجد قبة الصخرة، وبقبة بيضاء أكبر في الحجم من قبة الصخرة، وذلك بالتزامن مع نقل ما يعرف بحجر الأساس للهيكل الثالث المزعوم، إلى قبالة المسجد الأقصى.

كما أعلنت السلطات الإسرائيلية عن خطط لإقامة كنس أخرى كبيرة بالقرب من الأقصى، حتى العام 2014، وهو العام الأخير لحكومة نتنياهو لو أتمت مدتها القانونية، ومن بين هذه الكنس، كنيس "فخر إسرائيل" و"كنيس النور".

*.*.*.*.*

والآن، وبعد أن وصل "الخراب" وحجر الهيكل الثالث المزعوم إلى القدس، بل وإلى الحرم القدسي الشريف ذاته، يقف المرء متساءلا عن موقف العرب والمسلمين إزاء الحملة الإسرائيلية غير المسبوقة في الوقت الراهن، والتي تستهدف تغيير هوية المدينة المقدسة التاريخية والدينية والبشرية والعمرانية.

*.*.*.*.*

توصيات..؛؛

كل هذه الصورة ومحتوياتها تفرض على جميع العرب والمسلمين العمل على مواجهتها بشتى الوسائل والسبل، ونميز هنا ما بين مستويين في المسئولية التاريخية الملقاة على عاتق الحكومات وتلك الملقاة على عاتق الشعوب في عالمنا العربي والإسلامي:

أولا: على مستوى الحكومات:

يجب على الحكومات العمل على تبني سلسلة من الإجراءات ذات الطابع السياسي والإعلامي الشامل لتحقيق الأهداف الآتية:

1. ربط الشعوب العربية والإسلامية بالقضية الرئيسية للأم، وهي قضية فلسطين، وإعادة الاعتبار لها من خلال وسائل الإعلام والمناهج الدراسية.

2. التوعية بحقيقة الخطط والإجراءات الإسرائيلية في القدس، وتوجيه الأفراد إلى كيفية التعامل مع هذه القضية، على الأقل فيما يتعلق بدعم المقدسيين في مواجهتهم الحالية مع الاحتلال الإسرائيلي.

3. توجيه أئمة المساجد إلى تناول القضية في خطب الجمعة ودروس المساجد.

4. الضغط على إسرائيل في المحافل الدولية من أجل الكف عن تغيير معالم المدينة المقدسة، مع كونها تراثا إنسانيا ملكا للبشرية كلها، وهنا تكتسب منظمات مثل اليونسكو أهمية خاصة في مثل هذا الحراك.

5. على الدول العربية والإسلامية التي تقيم حكوماتها علاقات مع إسرائيل الضغط على الأخيرة سياسيا، لوقف إجراءاتها في تهويد القدس، وتهديد المسجد الأقصى، ومساومتها بأوراق مهمة، مثل التهديد بوقف تطبيع العلاقات أو قطع هذه العلاقات ما لم تتراجع إسرائيل عن سياساتها تلك.

6. اشتراك الحكومات مع منظمة المؤتمر الإسلامي، والتي أنشئت خصيصا لأجل قضية القدس، بعد حريق الأقصى في نوفمبر 1969م، في مشروع إعلامي وثقافي ضخم على مستوى العالم للتعريف بتاريخ فلسطين والأصل العربي والهوية التاريخية للمدينة المقدسة المحتلة، مثل إقامة معارض للصور والمقتنيات تطوف العالم، وسلسلة من المحاضرات في كبريات العواصم العالمية تتحدث عن قضية تهويد القدس، وما يطال البشر والحجر جراء حملة إسرائيل المسعورة في هذا الاتجاه، مع التركيز في هذا الجانب على الناحية القانونية لما تقوم به إسرائيل، في ظل كون القدس مدينة محتلة لها وضع خاص في القانون الدولي العام والإنساني.

ثانيا: على مستوى الشعوب ومنظمات المجتمع المدني:

1. محاولة حشد الرأي العام العالمي ضد إسرائيل، وما تقوم به في القدس، من خلال دعم أنشطة بعينها في كبريات العواصم العالمية من خلال المنظمات والجاليات العربية والمسلمة هناك، مثل التظاهر أمام السفارات الإسرائيلية، وإقامة سلسلة من الندوات والمعارض التي تتحدث عن القضية.

2. العمل على توعية الرأي العام في البلدان العربية والمسلمة من خلال الأنشطة العامة في المساجد والمدارس وغير ذلك.

3. إخراج الإصدارات التي تساعد على تحقيق هذه الرسالة، مثل اسطوانات الحاسب والكتيبات وغيرها، مما يساعد على تحسين مستوى إدراك الشعوب والحكومات لمخاطر ما يحدث في القدس، مع مخاطبة السلطة الفلسطينية لكي تقوم بواجباتها في هذا الشأن.

4. دعم المقدسيين في محنتهم الحالية، عن طريق: التبرعات المادية والعينية/ الدعم المعنوي/ الرباط في المسجد الأقصى، وغير ذلك.