أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  دراسات :   هل بدأت تركيا دفع ضريبة مواقفها السياسية من أزمات المنطقة؟   (1/3/2014)



-    
ما حققه حزب العدالة والتنمية من نجاحات أوجد أعداءً له في الداخل والخارج على حد سواء خاصة بعد مواقف تركيا الداعمة لشعوب المنطقة

-       أكثر ما أصاب السياسة الخارجية التركية في المنطقة هو توتر علاقاتها مع مصر إثر إطاحة الجيش بمرسي، خاصة أن تركيا لديها حساسية كبيرة ضد الانقلابات العسكرية

أحمد عبده طرابيك

لا يمكن إغفال الارتباط النسبي بين الأزمات الداخلية التي اندلعت في تركيا أواخر عام 2013م، والصعود التركي في السنوات الأخيرة في أكثر من مجال، هذا الصعود الذي قاد أنقرة نحو استقلالية قراراتها، فيما يتعلق بسياستها الداخلية والخارجية على حد سواء.

فعلى المستوى الداخلي، تحررت صناعة القرار السياسي من هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، وعلى المستوى الخارجي، استطاعت تركيا تكوين سياسة مستقلة بعيدة عن النفوذ الأمريكي والغربي بصفة عامة، بل وعادت تركيا بقوة إلى المنطقة العربية والإسلامية، وساهمت في صنع الاستراتيجيات والملفات الجديدة على المستوى الإقليمي والدولي.

وبالتأكيد كل هذا النجاح التركي سبب الإزعاج للكثيرين، ليس في داخل تركيا وحسب، بل على المستوى الدولي والإقليمي أيضًا، فالولايات المتحدة التي دعمت التجربة التركية في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، وجدت هذا المشروع يتعثر ولا يتقدم، خاصة أن الربيع العربي جاء ردًا قويًا على هذا المشروع، ورأت أيضًا أن تركيا استطاعت بناء منظومة علاقات إقليمية واسعة، ومن ثم بات من الضروري لدى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة استهداف تركيا وجعلها النموذج الفاشل الذي لا يمكن الاقتداء به، ولذلك كان اللعب بورقة فتح الله جولن – مفكر وداعية تركي شكل أنصاره ذراعًا غير رسمية داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم - بحجة استهداف الفساد.

وتأتي تلك المحاولات للنيل من الحزب الحاكم، رغم أن حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوجان، قاد "ثورة صامتة" في تركيا طيلة أحد عشر عامًا، منذ وصوله إلى الحكم عام 2002م، حقق خلالها الكثير من الإنجازات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واستطاع تحقيق استثمارات ضخمة وإصلاحات جذرية في بنية الاقتصاد التركي، وإن كانت الإصلاحات السياسية والديمقراطية، تحتل مكانة خاصة ومتميزة بين الإنجازات التي قدمتها حكومة العدالة والتنمية خلال تلك الفترة، فقد غيرت وجه تركيا، والوصول بها إلى دولة أكثر ديمقراطية وحرية ورفاهية وأمنًا واستقرارًا، حيث ساهمت خطوات التحول الديمقراطي في نمو الدولة وازدهارها بشكل قوي في مختلف المجالات من خلال تأثيرها المباشر على الاقتصاد والحياة الاجتماعية وفي السياسة الخارجية أصبحت لاعبًا هامًا في مجريات الأحداث في المنطقة.  

الخارج وأزمة الداخل

إذا كانت الأزمة التركية يرى الكثيرون أنها صراع على المصالح والنفوذ السياسي والاجتماعي بين أقوى وأكبر قوتين شعبيتين داخل تركيا، فلا يعني ذلك أن الصراع الداخلي بعيدًا عن التأثر بالمعطيات الخارجية، فما تحقق في تركيا من إنجازات خلال حكم حزب العدالة والتنمية، أوجد أعداءً له في الداخل والخارج على حد سواء، وخاصة أن تركيا أخذت مواقف أكثر إنصافًا، وانحازت إلى جانب شعوب المنطقة ضد الأنظمة الحاكمة، وساندت القضايا العادلة للدول والشعوب ضد الهيمنة وازدواجية المعايير، وعلى رأسها مواقفها المشرفة من القضية الفلسطينية، التي بسببها أوجدت قطيعة مع الكيان الإسرائيلي وأغضبت الإدارة الأمريكية.

ويضاف إلى موقفها من القضية الفلسطينية، خطواتها الجادة لإيجاد حل للقضية الكردية من خلال المبادرة التي فتحت خلالها الحوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني - عبد الله أوجلان المعتقل في جزيرة "إمرلي" - وكذلك التقارب الحاصل بين تركيا والحكومة الكردية في شمال العراق، ولذلك كانت تلك المواقف التركية المنصفة سواء من ثورات الشعوب العربية، أو من القضية الفلسطينية، من أهم الضرائب التي تدفعها تركيا حاليًا، وبشكل خاص الموقف التركي من الثورة السورية، ومن الأحداث التي جرت في مصر بعد 3 يوليو/تموز 2013م.       

كان أكثر ما أصاب السياسة الخارجية التركية في المنطقة توتر علاقاتها مع مصر إثر الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013م، حيث وجهت تركيا انتقادات عنيفة ومباشرة للنظام المصري الجديد، مما أدى إلى تقليص التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى قائم بالأعمال، وهو ما لم يحدث في تاريخ العلاقات بين البلدين من قبل، خاصة أن تركيا لديها حساسية كبيرة من الانقلابات العسكرية، فالأضرار التي خلفتها الانقلابات العسكرية في تركيا الحديثة كانت كفيلة أن تجعل الشعب التركي ضد أي انقلاب عسكري بأي دولة في العالم، بغض النظر عن هويته الفكرية، وربما لا يرتبط ذلك بالضرورة بالعلاقات مع الإخوان المسلمين في مصر.

كما أن الحملة المنظمة ضد تركيا لها علاقة مباشرة بالغضب الأمريكي، فمازالت تركيا تتصرف بشكل مختلف عن حسابات ومطالب واشنطن، تحديدًا في الموضوع الإسرائيلي، كما أن التقارب التركي - الإيراني على المستوى الاقليمي يقلق الولايات المتحدة، بشكل كبير، فالولايات المتحدة تخشي أن تظهر أقطاب جديدة تتحكم في إدارة شؤون المنطقة بالتعاون مع القوى الإقليمية على حساب المصالح الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة، ولذلك تسعى واشنطن لضرب التقارب التركي - الإيراني، وإضعاف تركيا وإيران حتى لا يكون هناك لاعبين إقليميين في المنطقة، كما تسعى الولايات المتحدة من خلال إضعافها لتركيا أو على الأقل انشغالها بأمورها الداخلية إبعادها عن القضية الفلسطينية، في هذا التوقيت الحساس الذي تتم فيه مفاوضات الوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وسط غياب عربي وإسلامي تام، وخاصة أن الموقف التركي من القضية الفلسطينية، كان دائمًا متعارضًا وغير متوافق مع المواقف الأمريكية والغربية.

جماعة فتح الله جولن

الصراع الدائر في تركيا بين حزب العدالة والتنمية الحاكم من جهة، وبين جماعة فتح الله جولن، هو صراع بين قطبين من داخل التيار الإسلامي المعتدل، ورغم أنهما ظلا طوال السنوات العشر الماضية حليفين كبيرين، تعاونا معًا من أجل اضعاف التيارات العلمانية والقومية في البلاد، إلا أن تضارب المصالح بينهما في الفترة الأخيرة، هو ما أدى إلى اندلاع ذلك الصراع في وقت حساس بالنسبة لحزب العدالة والتنمية المقبل على استحقاقات انتخابية هامة هذا العام 2014م.   

دعمت جماعة فتح الله جولن حزب العدالة والتنمية، منذ وصوله للحكم في عام 2002م، وقد سمحت الحكومة لها بدخول كثير من المؤسسات، إضافة إلى توليها عدد كبير من مراكز الدروس الخاصة، التي كانت بمثابة موردًا ماليًا هامة لها، وفي الوقت نفسه تهيئ كثيرًا من هؤلاء الطلاب ليعملوا مع الجماعة، وكل هذا كان يتم في العلن، ولم يكن أردوغان يخشى خطورة منه، وخاصة أن واقع الجماعة أشبه بالشيخ ومريديه، أي ليست تنظيمًا سياسيًا له برامج واضحة، وينافس على الحكم لتنفيذها، وكان فتح الله جولن داعمًا للاستفتاء الذي دعا إليه أردوغان في 12 سبتمبر 2010م، على التعديلات الدستورية، حيث كان لفتح الله جولن أثر في ترجيح كفة "نعم" في هذا الاستفتاء، وترتب على هذه الموافقة تغيرٌ كبير طرأ على المؤسسات أدى الى مِلء الوظائف التي تم إخلاؤها من القوميين بتوظيف أفراد مقربين من الجماعة فيها.

 وكذلك كان تغيّر في هيكلة المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، والوظائف المستحدثة، وقد كانت كلها لصالح الجماعة ما جعلها ذات نفوذ قوي في هذه المؤسسات الفعالة، وأصبحت الجماعة مسيطرة على عدد من المحاكم المهمة، والمحاكم الخاصة التابعة للمجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين.

تأزمت العلاقة بين الجماعة وحزب العدالة والتنمية مع بداية عام 2011م، حيث كانت الجماعة قد تغلغلت في مؤسستي الأمن والقضاء، وأصبح ذلك يشكل محاولة للهيمنة، وليس كما كان الأمر من قبل دعمًا من الجماعة لحزب العدالة والتنمية، ومنذ ذلك الوقت بدأ الفعل ورد الفعل سجالًا بين الطرفين، ومن ثم بدأ أردوغان العمل على تقويض تأثير هذه الجماعة، فأسقط المنتسبين لها من قائمة المرشحين لعضوية البرلمان في انتخابات 2011م، ثم أخذ بعزل بعض المنتمين لها من مراكز الأمن ومن بعض المحاكم، على أثر ذلك شنَّت وسائل إعلام الجماعة هجومًا على أردوغان، ثم جاءت الخطوة التي أثرت بقوة في الجماعة، وهي خطة أردوغان بإلغاء مراكز الدروس الخصوصية، وتحويلها إلى مدارس خاصة تتبع برنامج الدولة، وتكون تحت رقابتها، وتغيير نظام دخول الجامعات، بحيث يتم إلغاء السنة التحضيرية لدخول الجامعات بعد إنهاء المرحلة الثانوية التي كان بسببها يُضطر كثير من أولياء الأمور إلى إرسال أبنائهم لتلك المراكز حتى يتمكنوا من دخول الجامعات، وفي هذه الحالة ستخسر الجماعة أهم مورد مالي، وكذلك كسب ود الأفراد، ولذلك بدأت الجماعة تفكر برد فعل تجاه أردوغان وحزبه للتأثير في فوزه في الانتخابات المحلية التي ستجري في 30 مارس/آذار 2014م، وكان أردوغان يأمل منها تعزيز شعبيته للترشح لرئاسة الجمهورية التي ستجري في 28 أغسطس/آب 2014م، ويكون التصويت عليها من قبل الشعب مباشرة لأول مرة، بعدما كان ينتخب رئيس الجمهورية من قبل البرلمان.

ظنت الجماعة أنها ستنال حظوة عند الولايات المتحدة وتقدمها على أردوغان، ولكن الراجح أن ظنها لم يكن في محله، فالولايات المتحدة تنظر إلى أردوغان كزعيم حزب سياسي أقدر على تحقيق مصالحها من جماعة جولن مع مريديه، رغم ما بينهم من اختلافات في التوجهات والمصالح، ولذلك فهي – أي الولايات المتحدة - تدعم أردوغان لتحقيق مصالحها في المنطقة، وحتى لو زادت الضغوط على أردوغان واستقال، فإن الولايات المتحدة ستلجأ إلى شخص قوي آخر من حزب العدالة والتنمية خير لها من أن تلجأ إلى فتح الله جولن، وذلك لأن واقع جماعة فتح الله جولن هو أنها حركة غير سياسية كانت دائمًا تستظل بأحزاب سياسية، فقد سارت مع حزب الوطن الأم بزعامة تورجوت أوزال في الثمانينيات من القرن الماضي، ومن بعده أيدت حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان، ثم حزب الديمقراطية الاشتراكية بزعامة بولنت أجاويد عام 1998م، بعد سقوط حزب الرفاه، وبعدما تأسس حزب العدالة والتنمية قامت ودخلت في ظلاله، ولذلك ينظر إليها على أنها انتهازية تؤيد الأحزاب السياسية الحاكمة لتحقق مصالحها الخاصة بها.

سيناريوهات الأزمة

بعد دراسة كل الخيارات أمامها من المتوقع أن تعمل الجماعة على التصالح مع أردوغان؛ لأنها ستخسر أكثر بعيدًا عنه، وقد بدأ هذا الاتجاه يظهر على تصرفاتها، فقد تراجع جولن عن الهجوم المستتر على أردوغان، كما تراجع فتح الله جولن أكثر عندما اقترح مؤخرًا أن تبقى مراكز الدروس الخاصة، وتوضع تحت إشراف الدولة في خطوة تنازلية، ولكن أردوغان أصر على قراره، وحتى رجال فتح الله جولن في القضاء والأمن لم يعد أمامهم الكثير في وجه أردوغان.

اختبار صعب تمر به حكومة حزب العدالة والتنمية، من المؤكد أن هذا سيترك آثاره على الحزب وموقعه في السياسة التركية، لكن من المؤكد أيضًا أن خبرة السنوات الماضية، وما حققه الحزب بزعامة رجب طيب أردوغان من إنجازات على الصعيدين الداخلي والخارجي، وكذلك عودة الوفاق بين حزب العدالة والتنمية وجماعة فتح الله جولن، سيعيد كل هذا التوازنَ للحزب مرة أخرى، والخروج من تلك الأزمة بشكل قوي، في ظل عدم تمتع المعارضة العلمانية والقومية في تركيا بالشعبية التي تؤهلها؛ لأن تملأ الفراغ الذي سيتركه حزب العدالة والتنمية.

كما أن الجماهير التركية لديها تاريخ طويل مع المرارة التي عاشتها طوال سنوات حكم تلك الأحزاب، ولا يريد المواطن التركي الرجوع مرة أخرى عن المستويات الاقتصادية والاجتماعية التي حققها له حزب العدالة والتنمية، خاصة أن التحديات الكبيرة التي تمر بها المنطقة والتي تشهد إعادة رسم خريطة توازنات القوي الإقليمية من جديد، فستكون تركيا أهم اللاعبين المؤثرين في قضاياها مع إيران، خاصة في حالة استمرار غياب الدور المصري ومعه ضعف التأثير العربي في قضايا المنطقة التي تخصه بالدرجة الأولي وخاصة القضية الفلسطينية.

––––––––––––––

صحفي متخصص في شؤون تركيا والقوقاز