أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
لماذا لا يرد السوريون على الهجمات الإسرائيلية؟!        صور من دورة الجمعية العامة        السلطات "الإسرائيلية" تقوم بعمليات هدم وتجريف جديدة في النقب المحتل        التطبيع هو الوجه الحقيقي "للسلام الإقليمي"        مؤتمر في إسطنبول يُوصي باعتماد منهجية تربوية لتنشئة الجيل على الدّفاع عن الأقصى        الاحتلال يفرج عن أسير من الداخل المحتل عام 1948م بعد اعتقال دام 12 عامًا        ميلادينوف: الأمم المتحدة ستراقب عودة حكومة الوفاق إلى غزة       

    
  مقابلات و حوارات :   الاحتلال الاسرائيلي للسان العربي في فلسطين   (25/2/2014)


د. ماهر خضير    

احتفل العالم العربي والإسلامي باليوم العالمي للغة العربية الذي حددته الأمم المتحدة باعتبار أن اللغة العربية أصبحت اللغة الرسمية المعتمدة اعتبارًا من 23/ أكتوبر/ 1973 م من كل عام؛ فكل لغة عالمية لها يوم عالمي. كما أن منظمة اليونسكو العالمية حددت يوم 21 فبراير من كل عام يوم اللغة الأم وكل لغات العالم تحتفل في هذا اليوم أيضًا. فتنظم المؤتمرات، وتعقد الندوات، ويتم وضع البرامج للنهوض باللغة العربية وإبراز جمالها وأهميتها باعتبارها لغة "القرآن الكريم".

عندما سمعت عن هذه الاحتفالات وهذه الأيام الدراسية وعقد الندوات والمؤتمرات المتعددة للحفاظ على لغتنا العربية، حرصت على أن أحضر بعضها، حيث إنني سعدت كثيرا وتألمت أكثر. سعدت لأنها فرصة لعرض قضيتي على أسماعهم، وأن نجد فرصة مناسبة لنضعها بين أيديهم، واعتقادي اليقيني أنها أيادٍ أمينةٌ وعقول متفتحة وقلوب نقية وعلماء مخلصون. لكنني حزنت أيضًا لأن هذه القضية غائبة تمامًا عن الواقع العربي المؤلم، غائبة عن المحافل السياسية والثقافية والاجتماعية، وكل المحافل الناطقة باللغة العربية..القضية هي قضية الاحتلال الاسرائيلي للسان العربي في فلسطين. ليست الأرض فقط لكنها تواصل احتلالها للسان العربي. فإذا كان هذا الاحتلال الاسرائيلي أصابنا بمحنة وسلب أرضنا ومقدساتنا  فلا يجوز أن يسلبنا لغتنا ونحن جميعًا متفرجون.

إن أطفالنا الأبرياء ونساءنا ورجالنا بل ومثقفينا للأسف لا يظنون أنهم يتكلمون العبرية -وهي لغة في عرف اللغويين ميتة- أو يتجاهلون لغة "القرآن الكريم" والدين الإسلامي، ولكن سلطة الاحتلال استطاعت ان تغرس في السنتهم مفردات عبرية حياتية يمارسونها في حياتهم اليومية فتجد الطفل أو الشاب يقول عن اشارة المرور مثلا ( رمزون ) وهي كلمة عبرية ولا نعرف في فلسطين الا رمزون، وكذلك موقف الحافلة نسميها (تحناه)  ومكيف السيارة أو تكييف البيت نقول عليه ( مزجان ) وسخان الماء نقول عليه (حموم) وفي قطاع الزراعة فالدفيئات الزراعية نسميها (حمامات)، وهناك كلمات كثيرة جدا عبرية دخلت للغة العربية الفلسطينية والبعض لا يعرف مقابلها العربي حتى الحيوانات ــ أكرمكم الله ــ لا تفهم الا اشارة اللغة العبرية فالكلب مثلا إذا أشرت له بالجلوس لا يجلس، ولكن لو قلت له (شيف) وهي كلمة عبرية سيسمع الكلام.  والحمار لو قلت له ( أخوره) سيرجع الى الخلف، حتى الحيوانات دخلت الى مسامعها اللغة العبرية .أما الذين يعيشون تحت السيطرة المباشرة للاحتلال الاسرائيلي وهم عرب 48 كما يسمونهم فهؤلاء للأسف وللألم الشديد صاروا هم وأولادهم يعرفون العبرية ربما أكثر ما يعرفون العربية. وهذا كله ليس غريبا على الاحتلال ولا يمكن أن نتوقع غير ذلك.

الموقف العربي:

ما موقف الأمة العربية والإسلامية؟، وكل ما يحز في أنفسنا ويصيبنا بقدر كبير من اليأس والإحباط والقنوط هو موقف الأمة العربية والإسلامية من هذا الاحتلال اللغوي؟، وموقف الغيورين على العربية من هذا الموقف المزري وهذا الاحتلال المتصاعد.

لكنني مع كل ذلك لست يائسًا لأنني أؤمن بأنه لن نقنط من رحمة الله تعالى.

فأنا أخاطبكم في لحظة تاريخية حاسمة لأننا أمام تحد كبير، إما أن تأخذ اللغة العربية حقَّها ووضعها ومكانتها اللائقة بها وموقعها الحضاري ومستقبلها الذي نعوِّل كثيرًا على أن يكون أفضل من ماضيها، أو ان تهزم اللغة العربية أمام الاحتلال وتعيش في خنوع وانحطاط وانقراض كما الهزائم العربية.

وهنا؛ أستعير قول الزعيم العربي الفلسطيني ياسر عرفات (رحمه الله) أمام العالم كله في الأمم المتحدة: "لا تدعوا غصن الزيتون الأخضر يسقط من يدي".

 وأنا بدوري أقول: "لاتدعو الكلمات العربية تتسرب من ألسنتن".

ألا تعرفون أن فلسطين قد أنبتت عمالقة في الأدب والشعر تفخر بهم الأمة العربية كلها، أمثال: محمود درويش، وغسان كنفاني، وسميح القاسم، وغيرهم من العمالقة؟.

قد يتساءل البعض ويقول: إذن.. ما الحل ؟، وكيف يمكننا المساعدة للحفاظ على لغة "القرآن الكريم" في بلاد المسجد الأقصى الشريف والمقدسات الإسلامية والمسيحية؟.

أقول: إننا في فلسطين - وبمجهودات محلية ذاتية- نحاول السيطرة على عدم تسريب كلمات ومصطلحات اللغة العبرية الميتة أصلًا لمسامع الأجيال الناشئة، والعمل على تعليمهم كيف يفرقون بين اللغة الأم لغة دينهم العربية، ولغة الاحتلال الذي يحاول جاهدا فرضها وتعميمها على كل المسميات الحياتية كاسماء الشوارع والبلدات والمدن العربية. وذلك بأن قام اللُّغويون بإنشاء "مجمع فلسطيني للغة العربية" ينبثق عنه مجمعات صغيرة في كل محافظة، ويتشكل من علماء اللغة العربية والغيورين عليها، وكذلك تم إقرار تدريس اللغة العبرية في المرحلة الاعدادية حتى يستطيع أن يفرق الطلبة بين الكلمة العربية والكلمة العبرية، ولا يخلط بينهما، ومن باب "من عرف لغة قوم أمن شرهم" دون الخلط في الكلمات بين اللغة العبرية الميتة التي يحاول اصحابها احياءها على حساب العربية..وعقد دورات واختبارات لمدرسي اللغة العربية وانتقاء خطباء مساجد من خريجي كليات اللغة العربية. كما أن المحاكم الشرعية درجت في معاملاتها أن تسجل اسم الشخص وبلدته الأصلية في الأراضي المحتلة داخل الخط الأخضر، فتقول مثلًا: فلان بن فلان من غزة، وسكان المجدل والذي يسميها الاحتلال " اشكلون" فالقانون يفرض على القاضي الشرعي أن يذكر اسم البلدة الأصلية بالعربية، واسمها العربي غير المعبرن للحفاظ على المسميات العربية لهذه المدن المحتلة .

ولكن أين دور التربويون العرب؟؟، أين دور المجامع اللُّغوية في الدول العربية المتعددة؟، أين دور الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية؟، أين دور مؤسسة الإيسسكو الخاصة بالتربية والعلوم والثقافة؟، أين دور منظمة اليونسكو التي تحافظ على التراث؟ أليست اللغة العربية مما ينبغي أن نحافظ عليه؟، أين دور لجنة النهوض باللغة العربية في رابطة الجامعات الإسلامية؟، أين الإعلام العربي ودوره في إراز هذه الظاهرة؟.. هذه المؤسسات بكل أسف لا تمد أبصارها إلا لموقع أقدامها وأسقطت هذا الأمر العزيز من اهتماماتها، ولم نسمع رغم المؤتمرات  العديدة في العواصم شتى وفي مختلف الجامعات حتى الإسلامية منها أن مؤتمرًا عقد أو لجنة نظمت في أي عاصمة من عواصم العروبة عن هذه الظاهرة المؤسفة المجحفة (الاحتلال الصهيوني للغة العربية في فلسطين)، وهنا أنا أناشد الضمائر الحية والقلوب النقية أن يعطوا هذه القضية حقَّها من اهتماماتهم، وأن تدعو الجهات المسؤولة إلى تبنيها والوقوف أمامها باعتبارها تحديا صارخا لضمير الإنسان العربي، وأنا على يقين من أن العربية ستبقى شاء الاحتلال أم أبى؛ لأن للعربية قرآنًا يحفظها وربًّا يحميها.

وفي النهاية.. لا أريد أن أقول لكم كما يسمعنا الاحتلال ( ليتراؤوت ) اي مع السلامة بالعربية. ولكنني لازلت محافظًا على لغتي، فأقول لكم: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".