أرسل لنا    |    عن الموقع    |    أضف للمفضلة
  
alqudsonline.com
  بحــث
 
 
   اقرأ أيضَا
   أخبار الرئيسية
   استطلاع رأي
 
     
فصائل فلسطينية ترفض إجراء الانتخابات المحلية بالضفة فقط وتراه قرارًا يعمق الانقسام        1171 مستوطنًا اقتحموا الأقصى في سبتمبر        إضراب في المخيمات الفلسطينية بلبنان بعد وفاة طفلة وتقليص "الأونروا" لخدماتها الطبية        إسرائيل تمنع من فلسطينيي الـ48 من الصلاة في "الأقصى" بسبب الأعياد العبرية        436 معتقلاً فلسطينيًّا خلال الشهر الماضي على خلفية تصاعد عمليات المقاومة        المحكمة الفلسطينية العليا تقرر إجراء الانتخابات في الضفة وإلغاءها بغزة        الهبّة الشعبية تتجدد       

    
  دراسات :   الدلالات الأربعة لزيارة الرئيس النيجيري إلى "إسرائيل"   (26/11/2013)



-      
أكثر من ثلاثين ألف مسيحي نيجيري زاروا القدس العام الماضي تحت إشراف "إسرائيل"، ووصل العدد في بعض السنوات لأكثر من خمسين ألف شخص

-       التأييد الإسرائيلي لحصول نيجيريا على مقعد دائم في مجلس الأمن لم يكن مجانيًا، حيث تريد "إسرائيل" مقابل ذلك شرعنة وجودها في أفريقيا

ثابت العمور

شهدت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية تتويجًا غير مسبوق نهاية أكتوبر/تشرين الثاني الماضي، مع زيارة جولادم جوناثان - رئيس نيجيريا – إلى "تل أبيب"، وهي الزيارة الثانية لجوناثان الذي زار "إسرائيل" في ديسمبر/كانون أول 2007م، عندما كان نائبًا للرئيس.

وتطرح هذه الزيارة وحيثياتها الزمانية والمكانية مجموعة تساؤلات غاية في الأهمية، تمتد تبعاتها لما بعد العلاقات الإسرائيلية الأفريقية لتتجاوز كل ما هو عربي وإقليمي، وصولًا للتأثير الدولي، فنيجيريا سابع دولة على مستوى العالم في إنتاج النفط، ونسبة المسلمين فيها تتجاوز الخمسين بالمئة؛ غالبيتهم في شمال البلاد، وبها تركيبة عرقية تتجاوز 250 قومية، وبلد لها موروث في الخلافات والنزاعات الداخلية قديم لا يخلو هو الآخر من اليد الإسرائيلية.

جذور العلاقة

علاقة "إسرائيل" بنيجيريا قديمة، حيث بدأت في العام 1960م واستمرت حتى حرب أكتوبر 1973م، هذا العام الذي شهد قطع كثير من الدول الأفريقية لعلاقاتها بـ"إسرائيل"، ثم عادت العلاقات الإسرائيلية النيجيرية للتقارب وتبادل التمثيل الدبلوماسي منتصف العام 1992م، ولكن التطور الأكبر في العلاقات حدث في السنوات الست الماضية، خاصة مع تولي أفيجدور ليبرمان – وزارة الخارجية في "إسرائيل"، فليبرمان يمكن اعتباره عراب العلاقات الإسرائيلية بدول القارة السمراء، وتحتل أفريقيا مساحة كبيرة في فكره وممارساته وزيارته، ومع عودة ليبرمان إلى الخارجية مجددًا بعد تبرئته قضائيًا من تهم الفساد، يعني أن العلاقات الإسرائيلية الأفريقية مرشحة لمزيد من التقارب والتوسع أفقيًا وعموديًا.

دلالات حول الزيارة

وبالعودة إلى زيارة الرئيس النيجيري، يمكن تسجيل عدة دلالات أولها وأهمها أن نيجيريا الدولة الأكبر مساحة والأغنى بالموارد الطبيعية، هي من يطلب الود الإسرائيلي ويسعى للتقارب، ولا تخلو هذه الدلالة من الإقرار بعمق الاختراق الإسرائيلي لأفريقيا، أما الدلالة الثانية للزيارة تتعلق بالتوظيف الإسرائيلي فنتنياهو استحضر الأرض المقدسة في كلمة الترحيب؛ مذكرًا الرئيس النيجيري بأنه في القدس، والرجل لم يعقب أو يعلق حتى عندما التقى برئيس السلطة الفلسطينية، ما يعني ضمنًا القبول بالسيادة الإسرائيلية على القدس المحتلة، والدلالة الثالثة تتعلق بطول مدة الزيارة والتي استغرقت أسبوعًا، مما يعني أن الرئيس النيجيري يعطي هذه الزيارة أهمية كبيرة، وأنا هناك العديد من الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك، والتي تتطلب جلوسًا لفترة 7 أيام كاملة للتشاور حولها، أما الدلالة الرابعة فتتعلق بالأماكن المقدسة التي زارها الرئيس جوناثان، الأمر الذي يقتضي معه ضرورة التفكير في البعد الديني للزيارة، ومحاولات "إسرائيل" المستميتة لتوظيف الدين في صراعها واجتذاب الأنصار.

البعد الديني

لم تخلُ زيارة الرئيس النيجيري من البعد الديني، وقد بدا ذلك واضحًا من خلال مراسم الحج المسيحي في مدينة القدس التي رافقه فيها 100 حاج مسيحي تقريبًا، ثم زيارته "للعلية" التي تناول فيها المسيح عليه السلام العشاء الأخير مع تلاميذه، ثم توجه الرئيس النيجيري إلى كنيسة "الدمعة" في منطقة جبل الزيتون، وكان في استقباله العشرات من الحجاج النيجيريين المسيحيين الذين أدوا الصلاة معه، ثم انتقل إلى كنيسة القبر المقدس "كنيسة القيامة" وصلى هناك وأضاء الشموع، وزار كنيسة "الجسمانية" في البلدة القديمة وكنيسة القديس بطرس، واختتم جولته الدينية بزيارة كنيسة المهد في بيت لحم قبل لقائه بالرئيس محمود عباس، إن استحضار الأماكن السالفة في الزيارة يعني توظيفًا إسرائيليًا جديدًا وغير مسبوق للأماكن المسيحية المقدسة، وبالتالي نحن أمام اعتداء يهودي صهيوني يستهدف الأماكن الفلسطينية المقدسة الإسلامية والمسيحية على حد سواء.

ومن دلالات التوظيف الديني إسرائيليًا ما جاء في كلمة نتنياهو أثناء استقباله للرئيس جوناثان، إذ قال: ".. يسرّني استضافة الرئيس النيجيري جودلاك جوناثان هنا في "إسرائيل"، الأرض المقدسة، وتحديدًا في أورشليم القدس.. إننا ملتزمون بتعزيز العلاقات بيننا في شتى المجالات، حيث يسرّني استضافتك والوفد المرافق لك هنا في أورشليم القدس وأنتظر المحادثات بيننا وأقدّر الصداقة بيننا. أهلًا وسهلًا بك في أورشليم القدس".

ولم يخلُ رد الرئيس النيجيري على ترحيب نتنياهو من البعد الديني أيضًا، فقال: ".. لقد جئت إلى مدينتك الجميلة "أورشليم القدس" لأهداف دينية بامتياز، حيث حظينا منذ وصولي والوفد المرافق باستقبال حار من أشقائنا في هذه الدولة الرائعة "إسرائيل"، ويثلج هذا الأمر صدورنا، حيث أرجو التعبير عن الشكر من أعماق القلب".

واختتم الرئيس جوناثان كلمته بإقرار عدة أمور، أهمها أن أكثر من ثلاثين ألف مسيحي نيجيري زاروا القدس المحتلة العام الماضي تحت إشراف "إسرائيل"، ووصل العدد في بعض السنوات لأكثر من خمسين ألف شخص، ثم يصف الرئيس جوناثان طبيعة العلاقة بين بلاده و"إسرائيل"، فيقول في المؤتمر الصحفي الذي عقد مع نتنياهو: "إنكم تساعدوننا بطرق عديدة، حيث نقدّر مستواكم التكنولوجي في مجالات الزراعة والبناء والاتصالات والاستخبارات وغيرها من المجالات التي تقدمون لنا العون فيها، حيث نرى وجوب تمتينها، دعْني أهنئك بمناسبة تحقيق إنجاز واحد هام أقدّره تحديدًا، حيث وقعنا بعد ظهر اليوم اتفاقًا ثنائيًا في مجال الطيران، علمًا بأن الاتفاق كان قيد التخطيط منذ أمد".

توصيف وتوظيف

إن أبرز التوظيفات للعلاقة بين "إسرائيل" ونيجيريا وتوظيفها دوليًا عبرت عنه صحيفة "بنش" النيجيرية التي ذكرت بأن الحكومة الإسرائيلية تؤيد نيجيريا في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، وتنقل الصحيفة عن السفير الإسرائيلي في أبوجا قوله: "إن نيجيريا تستحق الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن بسبب دورها المهم في إحلال السلام الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى تمتعها بثروة بشرية هائلة وثروات كبيرة من المصادر الطبيعية".

إن التأييد الإسرائيلي لحصول نيجيريا على مقعد دائم في مجلس الأمن لم يكن مجانيًا، حيث تريد "إسرائيل" مقابل ذلك شرعنة وجودها في القارة الأفريقية لتصبح عضوًا في واحدة من أهم المنظمات الأفريقية، وتلك فكرة ومسعى إسرائيلي قديم ففي العام 2003م تقدمت "إسرائيل" بطلب العضوية بصفة دولة مراقبة في الاتحاد الأفريقي، وكانت إثيوبيا وكينيا ونيجيريا أكثر الدول الأفريقية حرصًا على تمرير القرار، وعدم تمرير القرار لا يعني توقف المساعي الإسرائيلية، فـ"إسرائيل" حاضرة ومشاركة في المنتدى الأفريقي الثالث عشر للمياه والصرف الصحي الذي استضافته العاصمة البوركينية "واجادوجو" في الفترة من 21 حتى 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013م.

التعاون الاستبخاراتي

وإضافة إلى الشكل السابق في التعاون بين الجانبين، هناك وجه آخر للعلاقة غاية في الأهمية، هذا الوجه أمني استخباراتي تجسسي بحت، أثير عندما سادت حالة من الغضب في منتصف شهر مايو/آيار 2013م، بين أوساط المعارضة النيجيرية ووسائل الإعلام والصحافة، وملامحه قرار الحكومة النيجيرية توقيع عقد بـ 40 مليون دولار مع شركة "البيت" الإسرائيلية ومقرها مدينة حيفا، لمراقبة المواطنين، وخاصة الصحفيين على شبكة الإنترنت، مستخدمة أحدث وسائل تكنولوجيا التجسس، وقد ذكرت صحيفة "بنش" النيجيرية أن هذه الخطوة خطيرة وغير مسبوقة بسبب اختراقها للحياة الشخصية للمواطنين، واصفة إياها بـ"غير القانونية" وطالبت الحكومة بالتراجع عنها، الأمر الذي دفع مجلس النواب النيجيري للتدخل وطلب إلغاء الصفقة.

ولا يتوقف الإختراق الإسرائيلي في هذا المسار عند حد التجسس فقط، ففي نهاية شهر أكتوبر من هذا العام ذكرت صحيفة "نيجيريان تربيون" أن الشركات الأمنية الإسرائيلية شهدت تزايدًا ملحوظًا في عددها، وأصبحت مصدر قلق للشرطة النيجيرية.

وأضافت ذات الصحيفة بأن أفراد أمن هذه الشركات باتو يحاولون انتحال شخصيات رجال الشرطة الحقيقيين وتولى مهامهم ومسؤوليتهم فى الشوارع، ويقومون بأعمال ليست من تخصصاتهم؛ مثل تنظيم المرور وتفتيش السيارات على الطرقات ومصادرتها، وفي ولاية "ريفرز" الواقعة جنوب نيجيريا تعاقدت حكومة الولاية مع شركة أمن إسرائيلية لتأمين حكومة الولاية التي تتعاون مع شركات إسرائيلة كبرى في الزراعة أيضًا.

تعاون عسكري

ويأتي التعاون العسكري ليكون وجهًا آخر يستدل به على تطور العلاقات بين "إسرائيل" ونيجيريا، فقد كشفت صحيفة "هآرتس" في مايو/آيار العام 2006م، أن شركة "يافنيه" الإسرائيلية المختصة في صناعة الطائرات عقدت أكبر صفقة سلاح مع نيجيريا، وتضم الصفقة شراء 15 طائرة حربية إسرائيلية وتدريب طيارين نيجيريين ليصل إجمالي الصفقة لحوالي ربع مليار دولار، وبموجب الصفقة أيضًا تقوم الشركة الإسرائيلية بصناعة وتركيب 3 أنظمة استخبارات للطائرة بدون طيار المعروفة باسم "أيروزتار"، بالإضافة إلى 3 أنظمة للطراز "سيستار".

وسيتم استخدام أنظمة "سيستار" من قبل البحرية النيجيرية في منطقة دلتا النيجر، وهي أغنى مناطق النفط النيجيرية.

وزعمت "هآرتس" بأن الهدف من وراء تلك الصفقة هو حماية منطقة غرب أفريقيا بأحدث القدرات العسكرية؛ نظرًا لأهميتها من الناحية الإستراتيجية؛ بسبب توسع نشاط شركات النفط الفرنسية والبريطانية والأمريكية والروسية والصينية والكورية في المنطقة الأمر الذي أغضب الولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت شركاتها مبكرًا من الصفقة.

ومن بين المعدات العسكرية التي تزود بها الشركات الإسرائيلية نيجيريا طائرات الاستطلاع البحري "سكاي" وطائرات الفانتوم المحسنة، و"كورناس 2000" ومدافع صاروخية "كيشت" وراجمات صواريخ ومادفع هاون طراز "سولتام 120مم" وصواريخ مضادة للدروع "مباتس" و"زئيف".

إن العلاقات الإسرائيلية – النيجيرية لم تبدأ من زيارة الرئيس جوناثان، ولكنها قابلة لتطور غير مسبوق، واستحضار وتوصيف العلاقات الإسرائيلية - النيجيرية لا يعني القبول العربي بالواقع، فنيجيريا دولة أكثر من نصف سكانها البالغ 150 مليون نسمة مسلمين، ما يعني بأن هناك حظوظ عربية وإسلامية، كما أن السياسة الخارجية النيجيرية سياسة براجماتية بحتة تبحث عن المصلحة، وهو ما يعني أن الغياب العربي هو الذي وفر لـ"إسرائيل" الفرصة للتغلغل وتعميق علاقاتها مع نيجيريا.

–––––––––

كاتب وصحفي فلسطيني